19
الجمعة, كانون2

العملة الافتراضية بتكوين Bitcoin

اراء وتعليقات
حجم الخط

الدكتور المهندس غازي الجبور*

اجتاحت فكرة التداول بالعملاتالرقميةفي الفترة الماضيةالعالمبأسره، وبالأخص التداولبعملة البتكوين) (Bitcoin
والتي شهدت تقلباً في أسعارصرفهاارتفاعاًوانخفاضاً وبشكل غيرمسبوق،والبتكوين هي عبارة عن عملة إلكترونية (Digital Currency)يتم تداولهاعبرالانترنتوليس لها اي وجودفيزيائيحقيقي، ويُعتقد أن مهندس الكمبيوتر الأميركي والياباني الأصلساتوشيناكاموتو(Satoshi Nakamoto)هو من اخترعهاعام 2008، ومن الجدير بالملاحظة أن التعامل مع هذه العملة ومثيلاتها يتم دون مراقبة من أي جهة حكومية أو دولية تكفل قيمتها كما هو واقع الحال مع العملات الأخرى، والتي تكون مكفولة بمخزون الدول من الذهب و/أو التمكين الاقتصادي.

ومن المعروف أنعملة البتكوين ليست العملة الرقمية الوحيدة، فهناك على سبيل المثال لا الحصر عملات الـ (Litcoin, Ripple, JOTA,Ethereum)، وقد وصلالحجم السوقي لعملة البتكوين (72) مليار دولار في تشرين الأول 2017بينما كان لعملة (Ethereum) 28 مليار دولار في حينه، وبدأ سعر البتكوين بالارتفاع بشكل متسارع وبنسبة (600%) في الأثني عشرشهراً الماضية وبنسبة (1600%) في العامين الماضيين حسب ما جاء بالجارديان البريطانية.

وعلى الرغم من ارتفاع حجم البتكوين السوقي، غير أن أوجه وخيارات استخدامها ما زال محدوداً باستبدالها بالبضائع، أو تحويلها إلى نقد. إذ يمكن لمتداولي عملة البتكوين استبدالها ببضائع من شركات وسلاسل تجارية مشهورة تقبل بيع منتجاتها مقابل هذه العملة والتي يقدر عددها بـ (100) شركةوسلسلةتجاريةفي الولايات المتحدة، مثلشركة (CVS) للأدويةوشركة (Dell)و(Tesla)ومحلات (SEARS) و(Microsoft) وغيرها.كما ويمكن لمستخدمي البتكوين بيعها وشراء عملات حقيقية ورقية مثل اليوروأوالدولار أو العكس،وذلكمنخلالمصارف متخصصة بعد أن يقوم المستخدم باستحداث محفظة بتكوين شخصية تعد مثل الحساب البنكي الخاص وبواسطتها يمكن التعامل مع عدة عملاءيمكن الحصول على قائمة بأسمائهممنخلالموقع((www.bitcoin.org،ومنخلالأجهزةالصرافالآلي (ATM) لبيعالبتكوينمنخلالمبادلتهبالعملاتالأخرى.
ويمكن الحصول على عملة البتكوين من قبلالمنقبون عن طريق عملية تسمى التعدين أو التنقيب (Mining)، حيث يقومون بتسجيل عمليات التداول فيما بين المتداولين في سجل يحتوي على مفاتيح خاصة سرية وعامة، وكل سجل يسمى بلوك (Block).وكون هذه العملية تتم بين المتعاملين دون أية رقابة من أحد، أي التداول من واحد لآخر(Peer- to- Peer)،فإن المنقبون بحاجة إلى استخدام حواسيب فائقة القدرة تستطيع متابعة عمليات التداول، حيث يقوم المنقبون بعمليات الكترونية واستخدام ألآت تشفير معقدة تسمى بالهاشتضمن إرسال سجل تداول (بلوك) حقيقي دون أي عبث أو تزوير. وعملية التشفير لها ضوابط للتأكد من صحة الإجراءات الضامنة لعملية التداول الصحيح، وهو يماثل في الإجراء التقليدي، وساطة البنك، وكل من يقوم بهذه العملية يسمى منقباً، وكلما زاد عدد المنقبين زادت العمليات اللازمة للتنقيب وذلك لكثرة الاحتمالات. ويقوم المتداولون بوضع جزء معين من البتكوين كجائزة لكل منقب يجري عملية التنقيب بنجاح، وهذه العملية مكلفة من حيث قدرات حاسوبية مميزة واستخدام للطاقة بشكل كبير وهنالك أجهزة مخصصة لهذه الغاية (Bitcoin Miners) وفي لندن يوجد هنالك مراكز بيانات (Data Center) تعمل على مدار الساعة.
وقد تباينت آراء المختصين عالمياً في الفترة الأخيرة حول عملة البتكوين ورأي الغالبية العظمى أنها مجرد فقاعة مالية قد تؤدي إلىوقوعكارثةنقديةمستقبلاً، وقد فسر بعضهم أن سر الزيادة المتسارعة في الإقبال على البتكوين هو بهدف غسيل الأموال أو لتسهيل الاتجار بالمخدرات، فعلى سبيل المثال قامت مؤخراً قناة (CNBC) الأمريكية بدراسة تحليلية لرأي الخبراء الاقتصاديين في وول ستريت(Wall Street) الأـمريكية حيثأفاد80% من اقتصادييها بأنها فقاعة وقال 2%منهم أن البتكوين ليس لهاأساسنقدي، وفي مقابلة محطة CNN)) الإعلامية مع صاحب جائزة نوبل في الاقتصاد جوزف ستجلتزJosphStiglitiz) ) أكد بأن هذه العملة هي فقاعة يجب منع التداول بها، وأثنى على هذا الرأي صاحب جائزة نوبل للاقتصاد روبرت شلر (Robert Shiller) قائلاً أنها سوف تنهار مثل انهيار سوق الأسهم الذي سبق الركود العظيم (Great Depression) في عشرينيات القرن الماضي، إضافة إلى ذلك ما نقلته محطة CNNتصريحاً للميلياردير مايك نوفجراتز ((Novogratz الذي أكد على أن البتكوين سوفتكون أكبر فقاعة في تاريخنا الحاضر.
ولا بد من الإشارة إلى أن الشريك المؤسس في أكبر موقع لتعاملات البتكوين (Bitcoin.com) والمسؤول الفني إميل اولدينبرغ (Emil Oldenburg) قد قام ببيع جميع ممتلكاته من البتكوين وقال إن الاستثمار في البتكوين هو أخطر استثمار حسب ما جاء في موقع (Business). كما أصدر مؤخراً، مفتي مصر فتوى أنه " لا يجوز شرعاً تداول عملة البتكوين والتعامل من خلالها بالبيع والشراء والإجازة وغيرها، بل ويمنع من الاشتراك فيها، لعدم اعتبارها وسيطا مقبولاً للتبادل من الجهات المتخصصة، ولما تشتمل عليه من الضرر الناشئ عن الغرر والجهالة والغش في مصرفها ومعيارها وقيمتها، فضلاً عما تؤدي إليه ممارستها من مخاطر عالية على الأفراد والدول، وأنها تشبه المقامرة ".
كما ذكرت قناة (CNBC) العربية مؤخراً بأن البتكوين انخفضت دون الـ 13 ألف دولار بعد أن خسرت ثلث قيمتها في خمسة أيام مسجلة بذلك أسوأ انحدار منذ عام(2013) بعد أن وصلت قيمتها (20)ألف دولار، وواصلت الهبوط حيث بلغت (12,650)ألف دولار في سوق ميتساب مسجلة هبوطاً بنحو 20% خلال يوم واحد، وذكرت مجلة (Fortune) خلال هذا العامأنهامرت بنكسات خسرت فيها أكثر من 30% من قيمتها.هذا وقد انخفض سعر البتكوين في شهر كانون ثاني من العام 2017بعدما صرحت كوريا الجنوبية والتي تعتبر أكبر سوق للبتكوين حسب ما جاء بـ (فورتشن والجارديان)، بأنها تعد لقانون يمنع تداولها بين الأشخاص غير المعرفّين والسماح لسلطات تنظيم تداول العملات بإغلاقأي سوق تداول تظهر فيه هذه التعاملات بين أشخاص مجهولين.

أما بخصوص ما أثير من نقاشاتحول سببعدماتخاذالدولبشكلعامإجراءاتتنظيم (Regulation) لهذهالعملةفإنه يرجح أنحجمهافيالاقتصادالعالميمازالدونالـ 200 مليار،وهذهالنسبةتُعد ضئيلةمقارنةبالناتجالقوميالعالميحسب (الجارديان)، ويجدر الإشارة إلى ان البنك المركزي الهولندي قام بتوفير عملة رقمية مشابهة تسمى (DNB)، كما وقام البنك المركزي الاسكندينافيبتوفير عملية رقمية تسمى (e-krona) وذكرت صحيفة الديلي تلغراف البريطانية بأن بنك انجلترا المركزي سوف يصدر عملة رقمية مشفرة مرتبطة بالجنيه الاسترليني يتيح للمواطنين البريطانيون من خلالها اجراء عمليات البيع والشراء الرقمي.

وإذا أردنا الحديث عن رأي البنوك المركزية حول العالم ، فقد تضاربت الآراء بين معارضين بالأكثرية وعدد قليل من المؤيدين، حيث حذر كل من البنك المركزي الأوروبي،والفرنسي، والياباني، والهندي، والكندي، والاسترالي، والنيوزلندي، والروسي، والمغربي بالإضافة إلى مؤسسة النقد العربي السعودي من خطورة التعامل بهذه العملة ونصحوا مواطنيهم بعدم تداولها، في المقابل شجع البنك المركزي البرازيلي الابتكار في مجال التداول بهذه العملة.

محليا،ً قام البنك المركزي الأردني، والذييعد الجهة المعنية بإقرار التعاملات النقدية بالعملات النقدية الإلكترونية،بإصدار تعميمفي العام 2014 لكافة البنوك والشركات المالية وشركات الصرافة وشركات بطاقات الدفع يمنع فيه التعامل بالبتكوين، كما وقامت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بعدم السماح لأجهزة الـ(BitcoinMiner) منالدخول إلى المملكة، وذلك لما يكتنفه التعامل بهذه العملة من مخاطر عالية تتمثل في تذبذب قيمتها بشكل كبير بالإضافةإلى مخاطر الجرائم المالية والقرصنة الالكترونية.

وبناءً على كل ما سبق، وكون البتكوين عملة رقمية لم تحصل على الاعترافالتنظيميوالعالمي،وثمة إرتفاع وهبوط متسارعين وغير مبررينفي أسعارها فان هذا يشكل خطراً على المتعاملين فيها، كونه من الممكن أنتخسر بنسبة 20% من قيمتها خلال يوم أو يومين بالمقارنة مع العملات النقدية المعترف بها، والتي تمتاز بالاستقرار ما لم تتعرض اقتصاديات أوطانها للانهيار، أو أن تقوم هذه الدولة بتعويم عملاتها.
ويمكن الاستشهاد بتجارب محلية قريبة من هذا المفهوم، مثلما حصل في البورصة والبيع الآجل والتي ألقى فيها المواطنون اللوم على الجهات الرسمية، فنحن اليوم معنيين بإرسال تحذير من الاستثمار في مثل هذه العملات كونهاخارجالمظلة التنظيميةوالرقابيةولا يوجدأيجهةضامنةلها؛بالإضافةإلىالتذبذباتالحادةفيقيمتها، ونشدد على ضرورة عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه حول هذه العملات الافتراضية، لما قد يترتب عليها من خسائر فادحة خصوصاً بما تتطلبه عملية التنقيب ((Mining من استهلاك كبير للطاقة الكهربائية وقدرات حاسوبية مكلفة.

*رئيس مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الاتصالات

أضف تعليق