اراء

“أجور الأطباء”.. فضيحة وطنية كبرى!

مكرم أحمد الطراونة

لو كنت مكان وزير الصحة الدكتور فراس الهواري، لما أقدمت على الخروج إلى الإعلام بمثل هذا الخطاب غير المتماسك الذي كشف عنه للإعلاميين أمس، وبهذا المنطق الغائب الذي لا بد أن يخضعه الأردنيون للبحث والتمحيص، وهو ما سيسفر عن تهاوي رواية وزير الصحة بشأن لائحة أجور الأطباء، بأن نقابة الأطباء “غررت” بهم بلائحة غير المتفق عليها.

هذا ليس رأيي فقط، وإنما سيكون رأي أي شخص يعرف، ولو قليلا، بالسياسات والإجراءات المتبعة لنشر أي شيء في الجريدة الرسمية، وهو إجراء يمر بسلسلة طويلة من الموافقات وصولا إلى إجازته.

نحن لا نتحدث هنا عن صحيفة، ولا موقع إلكتروني، بل عن الجريدة الرسمية للدولة، والتي تعلن من خلالها قراراتها وأنظمتها وقوانينها، وهي لا يمكن أن تكون محلا للخطأ أو العبث.

الوزير، وفي تبريره قرار إلغاء العمل بلائحة الأجور الطبية لسنة 2024، قال إن نقابة الأطباء زوّدت القائمين على الجريدة الرسمية بنسخة مختلفة عن اللائحة المتفق عليها، وإن هذا السبب أدى إلى إلغاء العمل باللائحة الجديدة.

التصريح الآخر، والذي يمثل صدمة أخرى للمتابع، هو تأكيد الهواري أن النقابة خاطبت الوزارة الأسبوع الماضي، طالبة عدم سحب اللائحة المنشورة في الجريدة الرسمية، والتفاوض على البنود الخلافية. وهو ما يؤكد أن ثمة بنودا خلافية كانت ما تزال عالقة بين الطرفين، ولم يتم حسمها بعد، إذن، من الذي أعطى التصريح بالنشر قبل الوصول إلى اتفاق نهائي؟!

رفض نقيب الأطباء د. زياد الزعبي حديث الوزير، هو أقل ما يمكن فعله حيال حالة مضحكة مبكية داخل دهاليز الإدارة العامة.

وهنا لا نريد التعليق على قول النقيب إن “عملية إقرار لائحة الأجور هي من صلاحيات النقابة وفق قانونها، وأن دور الوزارة هو استشاري فقط”، فهذه نقطة يمكن حسمها بسهولة كبيرة، ولكن ما يتوجب أن نتوقف عنده طويلا هو تصريح الوزير نفسه، فخطورة هذا الكلام تتأتى من تأكيد مفاده أن هناك من يستطيع العبث والدس على محتوى الجريدة الرسمية، والتي تعد مرجعا غير مشكوك بمحتواه لجميع المؤسسات والسياسيين والباحثين، وهي تعد مصدرا موثوقا لدراسة تطور الأنظمة والقوانين!

لائحة الأجور تم نشرها في الجريدة الرسمية منذ ثلاثة أسابيع، بينما قرار الوزير بإلغائها لم يأت إلا قبل يومين، فأين كانت وزارة الصحة، وأين كان من تفاوضوا مع النقابة، وأين كانت الإدارة العامة بأكملها عن هذه الفضيحة، والتي تمثلت باستغفال جهة ما لأجهزة الدولة، وتمكنها من نشر محتوى يمس حياة جميع الأردنيين، من غير أن يكون هناك اتفاق على هذا المحتوى؟!

تأكيد الهواري أن الوزارة ليس في نيتها تحريك دعوى قضائية بحق النقابة بسبب لائحة الأجور، هو إقرار بالضعف، والتجاء إلى القبول بأقل الخسائر في أمر أقل ما يقال عنه إنه فضيحة وطنية كبرى، فهذا أمر لا يقرره الوزير، بل هو حق للأردنيين أن تتم الإجابة عن سؤال: كيف تم نشر هذه اللائحة غير الصحيحة في الجريدة الرسمية، ومن الذي أعطى أمر النشر، وكيف لم يتم التدقيق عليها من قبل الوزير ورئاسة الوزراء، ولماذا لم ينتبه أحد أنها غير صحيحة إلا بعد فترة طويلة من نشرها في الجريدة الرسمية!

ما حدث يشي بأمرين لا ثالث لهما، الأول أن الوزير تعرض لضغوطات كبيرة أجبرته على التراجع عن اتفاقه مع نقابة الأطباء، وهو الأمر الذي نرجو أنه قد حدث وكان سببا في إلغاء لائحة الأجور، لأن الخيار الثاني محبط ومظلم، وهو غياب المؤسسية عن الإدارة الحكومية، وأنها تعوم وسط فوضى كبيرة وإهمال وعدم توخي الدقة، وهذه هي الكارثة الكبرى في دولة تعيش مئويتها الثانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى