اراء

أهو “تحديث” أم مجرد “حديث”؟

خليف الخوالدة

لا استطيع وصف ذلك الشعور المفعم بالفخر والاعتزاز الذي انتابني عندما كنت استعرض نتائج الأردن في دراسة الاتجاهات الدولية في الرياضيات والعلوم TIMSS لعام 2007 التي أجرتها المؤسسة الدولية لتقييم التحصيل التعليمي IEA ومقرها في امستردام بهولندا حيث تعاقدت المؤسسة معي حينها، أي في عام 2007، كمراقب جودة عالمي وذلك للإشراف على سير الاختبارات الدولية في إمارة دبي/دولة الإمارات العربية المتحدة ومتابعة مجريات عملية الاختبارات بكل تفاصيلها وتقديم تقارير جودة للمؤسسة الدولية عنها. يا إلهي كم كان ذلك الشعور جميلا ويبعث على الثقة والارتياح!

ولكن كيف هو الشعور اليوم بعد مرور العديد من السنوات؟ ولماذا حدث كل هذا التراجع المخيف في ترتيب الأردن عالميا وعربيا في نتائج تلك الاختبارات؟ الأمر يحتاج إلى تحليل ومراجعة جادة للوقوف على الأسباب الحقيقية ومعالجتها من جذورها لاستعادة موقعنا الطليعي المتقدم في التعليم والذي كان مضربا للمثل من قبل الجميع.
وفي إطار مشابه، شاركت وترأست خلال العشرين سنة الماضية فرقا لتقييم حكومات بالكامل وشاركت وترأست خلال العشرة سنوات الماضية هيئات تحكيم نتائج تقييم حكومات. وقد ترأست مؤخرا فريقا يضم 88 مقيّم تميز مؤسسي من خبراء التميز في دول العالم المتقدم بالتحديد وكان لي الشرف أن تم اختياري لترأس ذلك الفريق الدولي المتخصص والخبير.
لقد وجدنا أن النزاهة والشفافية والاستحقاق هي القاسم البديهي المشترك بين مختلف الوزارات والدوائر والمؤسسات والهيئات التي تولينا عملية تقييمها في تلك الحكومات. ليس مدحا بالآخرين ولكن الحق يقال ومن باب الإنصاف. والسؤال أين نحن من هكذا ممارسات؟
اطلعت حينها على نهج عمل تلك الحكومات حيث لم أجد مثلا موظفين معينين برواتب مرتفعة خارج كادرها الوظيفي للوزارة أو الدائرة أو المؤسسة. بمعنى لا يوجد أشخاص معينون مثلا على الكادر الوظيفي لديوان الحاكم بل جميعهم على كادر تلك الوزارة أو الدائرة أو المؤسسة وذلك حتى لا يكون هناك طبقية بين الموظفين التي تخلق شرخا وصراعا بين تلك الفئتين من الموظفين. ولم أصادف أي حالة تم ترقيتها بما يخالف الأسس والتعليمات بهدف رفع راتبها التقاعدي تنفيعا لها دون بقية الناس. والسؤال أيضا أين نحن من هكذا ممارسات؟

سمعنا عن وجود موظفين يعملون في رئاسة الوزراء بعقود مرتفعة تم توقيعها مع جهة حساسة يثق بها كل الناس. إذا كانت الحكومة بحاجة ماسة لتعيين أشخاص برواتب عالية ما المانع من تعيينهم على كادرها ما دام تمتلك مبررات وجيهة مقنعة لهكذا تعيينات؟ ولماذا الزج بجهة حساسة يثق بها كل الناس؟
ولماذا الانتقائية في بعض الترفيعات لعدد من الموظفين إلى رتبة وراتب أمين عام دون وجود شواغر وظيفية لهم ومنها لرتبة وراتب وزير خلال فترة قصيرة لا تتجاوز شهور قليلة وذلك بهدف رفع الراتب التقاعدي لهذه الحالات؟ والسؤال لو لم يكن لهؤلاء أقارب أو معارف من كبار المسؤولين هل سيحصلون على هذه الترقيات؟ وماذا يقول الموظفون الآخرون الذين ربما أكثر منهم استحقاقا وكفاءة؟ وماذا عن رصيد ثقة المواطن بالمؤسسات؟
علينا أن ندرك أن الثقة هي أساس كل شيء، وهي العامل الرئيسي في زيادة الاستثمار ونمو الاقتصاد ورضا المواطن والمستثمر والسائح وغيرهم. لذلك لابد من استعادة الثقة بالمؤسسات فالثقة مفتاح النجاح.
أعلنت الحكومة في عام 2019 عن البدء الفوري بإجراءات دمج عدد من المؤسسات من أبرزها إلغاء سلطة المياة ونقل مهامها إلى وزارة المياه وإلغاء الخط الحديدي الحجازي ونقل مهامه لوزارة النقل وغيرها.
طرحت حينها، أي في عام 2019، ملاحظات مفصلية ربما كانت من الأسباب التي دفعت بالحكومة إلى وضع ملف الدمج في الأدراج. ومن هذه الملاحظات فيما يتعلق بمؤسسة الخط الحديدي الحجازي الأردني، أنها تدير أموالا وقفية لا يصح أن تختلط بالأموال العامة بأي حال من الأحوال أو أن تنفق لغير غاياتها بقصد كان أو بغير قصد أو حتى لو كان بالخطأ وترد موازنتها ضمن موازنات الوحدات الحكومية ولكنها لا تتلقى أي دعم حكومي كما لا نغفل الجانب السياسي والتاريخي من عمر المؤسسة.
دمج مهام هذه المؤسسة ضمن وزارة النقل التي ترد موازنتها ضمن قانون الموازنة العامة يتعذر معه إدراج موازنتها ضمن موازنة الوزارة ذلك لأن إيراداتها وقفية وليست ايرادات عامة. وبالتالي ستدار أموالها الوقفية بالكامل خارج نطاق الموازنات المقرة من قبل مجلس الأمة بعد أن كانت ضمن قانون موازنات الوحدات الحكومية. وهذا ليس في صالح المؤسسة ولا أموالها بأي حال من الأحوال بل ينال من حوكمتها ومستوى الرقابة عليها. وفي نهاية المطاف، وضعت الحكومة حينها ملف ذلك الدمج في الأدراج.
وأما بخصوص سلطة المياه، فأشرت حينها إلى أن لها شخصية اعتبارية مستقلة ولها حق التعاقد وتملك الأموال المنقولة وغير المنقولة وجميع التصرفات القانونية وقد أُدخل تعديل على قانونها في عام 2014 بهدف اعتبار أموالها وأموال الشركات التي تملكها أموالا عامة. وهي تملك شركات منها شركة مياهنا. ولديها عقد إدارة مع الشركات في مجال المياه والصرف الصحي وهي تقترض بكفالة الحكومة.
أما الوزارة فليس لديها شخصية اعتبارية مستقلة إنما هي جزء من شخصية الحكومة الأردنية وبالتالي التعاقد مع شركات المياه سيكون، إذا ما نفذ الدمج، بين الحكومة والشركات وبموافقة مجلس الوزراء وتفويض وزير المياه بتوقيعها وتعود ملكية هذه الشركات للحكومة وليس لوزارة المياه وكذلك جميع ممتلكاتها لأن الوزارة ليس لها شخصية اعتبارية مستقلة عن الحكومة. أو البحث عن صيغة أخرى لإدارة التعاقد على خدمات القطاع. ويصبح الاقتراض اقتراضا حكوميا وليس اقتراض سلطة المياه بكفالة الحكومة كما هو الآن. بمعنى تصبح الحكومة تقترض بعد أن كانت تكفل قروض. وفي نهاية المطاف، وضعت الحكومة حينها ملف ذلك الدمج في الأدراج.
كما أشرت حينها إلى أن هنالك مؤسسات أولى بالدمج، لا ادري لماذا لم يُطرق بابها؟ وهنالك أنماط إدارة وعمل لابد من مراجعتها وحوكمتها. وهنالك مؤسسات استحدثت مؤخرا حينها ما الدافع لها؟ وهل سيأتي يوم ينادى بدمجها؟
رافقت تلك النوايا الحكومية تصريحات مكثفة في مختلف وسائل الإعلام تصدرها كبار المسؤولين حينها. لكن الأمر بقي مجرد أحاديث ذهبت فيما بعد مع الريح.
وتكرر الأمر قبل ما يزيد عن أربع سنوات حيث أعلنت الحكومة حينها عن نيتها دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وبالفعل تم تعيين وزيرا واحدا لهاتين الوزارتين وبعد ذلك بفترة لا تقل عن عام تم التراجع عن الدمج حيث تم تعيين وزيرا للتربية والتعليم ووزيرا آخر للتعليم العالي والبحث العلمي.
ثم تكرر الأمر مرة أخرى قبل ما يقارب ثلاث سنوات حيث أعلنت الحكومة مجددا عن نيتها دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وتم تعيين وزيرا واحدا لهاتين الوزارتين. وكأن التحديات التي تواجه قطاع التعليم بشقيه العام والعالي ستنتهي بمجرد دمج الوزارتين. والسؤال الأهم لماذا تم الإبقاء على هذه الحالة من عدم الاستقرار في الوزارات والمؤسسات وبين كوادرها الوظيفية خلال هذه المدة الطويلة والتي بكل تأكيد انعكست سلبا على الأداء؟
هل مجرد دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في وزارة واحدة بمسمى جديد “وزارة التربية والموارد البشرية” سيحل ما يواجه هذا القطاع من تحديات؟ وهل سيعيد للتعليم مجده الذي كان؟ وبمناسبة ذكر الموارد البشرية، ما هي أبرز إنجازات خطة الموارد البشرية التي تشكّلت لجنة وطنية لإعدادها؟ ليس سرا أن عددا من أعضاء اللجنة ليسوا من أصحاب المعرفة والاختصاص بالموضوع. وهل أتت تلك اللجنة بأي جديد؟ وما هي أبرز إنجازات خطة الموارد البشرية؟ وهل من جدوى تذكر مما أُنفق عليها من أموال وما استهلكته من وقت وطاقات؟
وأعلنت الحكومة حينها أيضا عن إلغاء وزارة العمل ونقل مهامها إلى وزارة الصناعة والتجارة ووزارة الداخلية. كما أعلنت عن دمج وزارة الأشغال العامة والإسكان مع وزارة النقل بمسمى جديد “وزارة البنى التحتية”.
ولكن ورغم مرور كل هذه المدة الطويلة، لم يتحقق أي شيء من هذا القبيل حيث ما زال الموضوع مجرد حديث وإعلان نوايا بل تم التراجع عن إلغاء وزارة العمل وأما بقية الوزارات المنوي شمولها بالدمج فما زالت قيد الحديث. ومن المؤسف حقا الإبقاء على هذه الحالة من عدم الاستقرار في الوزارات والمؤسسات.
حديثي هذا لا يعني أنني مع دمج هذه الوزارات ولدّي رأي بهذا الخصوص لا مجال لذكره هنا وربما أتطرق له مستقبلا.
السؤال الذي يدور في ذهن كل أردني هو “هل تحديث الإدارة العامة بشكل عام وخصوصا فيما يتعلق بمحور إعادة الهيكلة هو تحديث فعلي أم مجرد حديث أو أحاديث؟ وهل تنفيذ الأمر يتطلب مرور كل هذه السنوات؟ وهل تم دمج وزارة أو مؤسسة – ولو واحدة – منذ ثمان سنوات؟
هل للحكومة أن تحدثنا عن أبرز إنجازاتها ضمن خطة تحديث الإدارة العامة خلال الأعوام الماضية؟ وأتمنى عليها ألا تعتبر استحداث وزارة الاتصال الحكومي إنجازا؟ لأن مفهوم الاتصال أو التواصل الحكومي لا يقتصر على الوزارة المعنية بالاتصال بل على جميع الوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية. وليس من المهم استحداث وزارة للاتصال، فربما إدارة للاتصال الحكومي في رئاسة الوزراء – كما كان الوضع سابقا – أكثر تأثيرا وتلقى برامجها اهتماما أكبر من قبل الجهاز الحكومي ذلك لأنها في رئاسة الوزارء. والاتصال يتضمن الاتصال الداخلي (داخل الجهاز الحكومي) والاتصال الخارجي (خارج الجهاز الحكومي).
وأتمنى عليها ألا تعتبر استحداث هيئة للخدمة والإدارة العامة بدلا من ديوان الخدمة المدنية إنجازا. والسؤال الأولي هل يجوز استحداث هيئة بنظام؟ وهل ستحل الهيئة ما كان يواجه ديوان الخدمة المدنية من تحديات؟ أما النتائج والحكم على التجربة، فقادم الأيام يعفيني من أي حديث.
كما أتمنى عليها ألا تعتبر نقل بعض فصول موازنات الوحدات الحكومية إلى الموازنة العامة إنجازا؟ وألا تعتبر مجرد تجميع قانون الموازنة العامة مع قانون موازنات الوحدات الحكومية في كتيب واحد مكون من بابيّن، الباب الأول للموازنة العامة والباب الآخر لموازنات الوحدات الحكومية إنجازا؟
والسؤال الأهم هل ستأتي الشركات التي تم تكليفها ببرامج ومشاريع تحديث الإدارة العامة بشكل عام والدمج بشكل خاص بجديد؟ الجميع يتمنى أن تأتي بما يفيد سيما وقد أُنفق وينفق عليها الكثير.
والسؤال العميق هل تختلف محاور وتفاصيل تحديث الإدارة العامة بشكل ملموس عمّا كان في الماضي منذ عام 2005؟ ولمن أراد الإجابة، عليه الرجوع إلى أرشيف وسائل الإعلام. وأما مجرد تغيير المسمى خلال تلك الفترة الماضية من خطة إصلاح القطاع العام إلى خطة تطوير القطاع العام إلى خطة تطوير الأداء المؤسسي إلى خطة تحديث الإدارة العامة لا يُعد نوعا من الإنجاز؟
لسنا حقلا للتجارب ولا مكانا لخذ وهات والتاريخ لا يرحم. المواطن يتطلع إلى أفعال وقد يشتري من المسؤول – مؤقتا – الأقوال والأحاديث على أن تترجم إلى أفعال تُتوج بالإنجاز، وخلاف ذلك سيكون وبالها على أصحابها مُخيف ويُخيف ذلك لأن المواطن يراقب ويتابع بدقة التفاصيل ويميز الغث من السمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى