
في وقت كشف فيه وزير التربية والتعليم عزمي محافظة مؤخرا عن إعداد دراسة لوضع آلية لمعالجة قضية التعليم الإضافي، عبر زيادة الشواغر السنوية تدريجيا بغية إنهاء العمل بنظام التعليم الإضافي بشكل نهائي، يطفو على السطح سؤال: كيف يمكن أن يسهم التوجه لإلغاء التعليم الإضافي في تحسين جودة التعليم ومخرجاته؟
ويرى خبراء في مجال التربية أن تقليص الاعتماد على التعليم الإضافي يمثل خطوة بالاتجاه الصحيح نحو نظام تعليمي أكثر استقرارا وكفاءة، إلا أن تحقيق أثره الكامل يرتبط بوجود إدارة مرنة وفعالة توازن بين الاستقرار الوظيفي وضمان استمرارية التعليم في الحالات الطارئة، بما ينعكس في النهاية على جودة المخرجات التعليمية
وبينوا في أحاديثهم، أن تقليص هذا النمط من التعيينات، مقابل التوسع بتعيين كوادر ثابتة ومؤهلة، من شأنه أن يعزز استقرار الكادر التعليمي، ويرفع مستوى الانتماء المؤسسي، ويحسن القدرة على التخطيط التربوي طويل المدى داخل المدرسة، الأمر الذي ينعكس إيجابا على بيئة التعلم ومخرجاتها، مؤكدين أن المعلم المستقر يكون أكثر قدرة على متابعة تقدم الطلبة وتكييف أساليب تدريسه وفق احتياجاتهم.
وأوضحوا أن التحدي الأكبر يتمثل في طبيعة النقص المتغير بالمدارس، سواء من حيث المناطق أو الكثافة الطلابية أو حركة التنقلات والإجازات، ما يتطلب وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، ونظاما فاعلا للتنبؤ بالاحتياجات، وآليات سريعة للاستجابة للحالات الطارئة.
وأشاروا إلى أن التعليم الإضافي لا ينبغي إلغاؤه بشكل كامل، بل إعادة تنظيمه وضبط استخدامه، بحيث يقتصر على الحالات الطارئة والمؤقتة، كالإجازات المرضية أو الأمومة، بما يضمن استمرارية العملية التعليمية دون انقطاع، لافتين إلى أن نجاح هذا التوجه لا يتحقق بمجرد إلغاء التعليم الإضافي، بل يعتمد على قدرة الجهات المعنية على تحويل الاحتياجات الفعلية في الميدان إلى شواغر دائمة وممولة، تُطرح بشكل تدريجي ومدروس، بما يضمن عدم حدوث نقص مفاجئ في الكوادر داخل المدارس.
وكان وزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة قال خلال جلسة مجلس النواب الرقابية مؤخرا، إن التعليم الإضافي يتم على شاغر حقيقي أو مؤقت، وأن الوزارة تعتمد هذا الإجراء ضمن خططها لسد احتياجات المدارس من الكوادر التعليمية. وأوضح أن عدد المعلمين على حساب الإضافي عام 2024 بلغ نحو 12 ألف معلم ومعلمة، لافتا إلى أن هذا العدد شهد زيادة خلال العام الحالي، نتيجة ارتفاع أعداد الشواغر السنوية، إلى جانب رفع المخصصات المالية اللازمة لتغطية هذه الزيادة
وبيّن أن الوزارة تعمل على تنظيم ملف التعليم الإضافي بما يضمن تلبية احتياجات المدارس واستمرارية العملية التعليمية دون أي نقص في الكوادر.
وأوضح، في رد مكتوب، أن التعيين على حساب التعليم الإضافي يشمل جميع التخصصات التي تصبح شاغرة بسبب الانفكاك الدائم والوفاة، والاستقالة والتقاعد، أو الانفكاك المؤقت كالأمومة، والإجازة بدون راتب. وتابع أن الوزارة لم تتمكن من ملء شواغرها كافة عبر التعيين الرسمي كون عددها كبير، إذ تجاوزت الـ12 ألف شاغر للعام الدراسي 2025/2024، والمخصصات المتوافرة للوزارة تكفي لتعبئة 3 آلاف شاغر فقط. وزاد “نقوم حاليا بإعداد دراسة لوضع آلية لقضية التعليم الإضافي، عن طريق زيادة الشواغر السنوية تدريجيا، بحيث ينتهي هذا الأمر نهائيا”.
خطوة إصلاحية
وفي هذا السياق، أكد الخبير التربوي فيصل تايه أن التوجه لدراسة إلغاء العمل بنظام التعليم الإضافي خلال السنوات المقبلة يمثل خطوة إصلاحية مهمة نحو إعادة ضبط البنية المؤسسية للنظام التعليمي وتعزيز استقراره، شريطة أن يُنفّذ ضمن رؤية واقعية وتخطيط مرحلي يوازن بين الطموح والإمكانات المتاحة
وأوضح أن الاعتماد الواسع على التعليم الإضافي بصورته الحالية يعكس خللا في تخطيط وإدارة الموارد البشرية التعليمية، سواء من حيث التعيين أو التوزيع، لافتا إلى أن المعلم الذي يعمل ضمن إطار غير مستقر يواجه صعوبة في بناء علاقة تربوية متماسكة مع الطلبة، مما يؤثر على استمرارية العملية التعليمية وجودتها.
وبين أن تقليص هذا النمط من التعيينات، مقابل التوسع في تعيين كوادر ثابتة ومؤهلة، من شأنه أن يعزز استقرار الكادر التعليمي، ويرفع مستوى الانتماء المؤسسي، ويُحسّن القدرة على التخطيط التربوي طويل المدى داخل المدرسة، الأمر الذي ينعكس إيجابا على بيئة التعلم ومخرجاتها.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تعيد الاعتبار لمفهوم “المعلم المحترف”، الذي يعمل ضمن بيئة مستقرة ويخضع لمسارات تطوير مهني واضحة، مؤكدا أن المعلم المستقر يكون أكثر قدرة على متابعة تقدم الطلبة وتكييف أساليب تدريسه وفق احتياجاتهم، ويسهم في تطوير المدرسة كمؤسسة تعلم، وليس مجرد تقديم حصص دراسية.
وتابع أن الحد من الاعتماد على التعليم الإضافي يسهم كذلك في توحيد معايير الأداء والحد من التفاوت في جودة التدريس بين المدارس، مما ينعكس بشكل مباشر على تحصيل الطلبة وتنمية مهاراتهم الأساسية، بخاصة في مجالات التفكير والتحليل والتعلم الذاتي، فضلا عن تعزيز تكافؤ الفرص التعليمية عبر توزيع أكثر عدالة للمعلمين. وشدد على أن التعليم الإضافي لا ينبغي إلغاؤه بشكل كامل، بل إعادة تنظيمه وضبط استخدامه، بحيث يقتصر على الحالات الطارئة والمؤقتة، مثل الإجازات المرضية أو الأمومة، بما يضمن استمرارية العملية التعليمية دون انقطاع.
ولفت إلى أن الإشكالية الحقيقية تكمن في استخدام التعليم الإضافي كبديل دائم لسد الشواغر، ما يحوله من حل مؤقت إلى نمط تشغيل مستمر يضعف جودة التعليم ويؤثر على استقرار البيئة المدرسية.
وأكد أن التمييز بين التعليم الإضافي كحل طارئ، وبين استخدامه كبديل عن التعيين، يعد نقطة مفصلية في أي مسار إصلاحي لهذا الملف، مشددا على أن نجاح هذا التوجه يتطلب خطة متدرجة للتوسع في التعيينات الدائمة وفق احتياجات فعلية، إلى جانب تطوير أدوات استشراف العجز في الكوادر وبناء قواعد بيانات دقيقة تدعم اتخاذ القرار.
عدالة توزيع الفرص الوظيفية
بدوره، أكد الخبير التربوي محمد الصمادي أن التوجه نحو إنهاء التعيين على حساب التعليم الإضافي في المدارس الحكومية يفتح نقاشا يتجاوز البعد الإداري؛ ليمس جوهر جودة التعليم واستقرار المعلم وعدالة توزيع الفرص الوظيفية، موضحا أن هذا النمط نشأ أساسا كحل لسد النقص الطارئ أو المؤقت، لكنه تحول مع الوقت في كثير من الحالات إلى آلية تشغيل واسعة يعتمد عليها النظام التعليمي في تسيير العمل اليومي.
وبين أن تقليص الاعتماد على التعليم الإضافي يُعد خطوة إيجابية من الناحية التربوية، إذا ما ارتبط بخطة مدروسة للتوظيف الدائم، لافتا إلى أن المدرسة تحتاج لمعلم مستقر نفسيا ومهنيا، قادر على متابعة الطلبة وبناء علاقة تربوية مستمرة معهم، والمساهمة في تطوير البيئة المدرسية، في حين يواجه المعلم المؤقت صعوبات في التخطيط طويل المدى ويكون اندماجه المؤسسي أقل، مما قد ينعكس على جودة التعلم واستمراريته.
وشدد على أن نجاح هذا التوجه لا يتحقق بمجرد إلغاء التعليم الإضافي، بل يعتمد على قدرة الجهات المعنية على تحويل الاحتياجات الفعلية في الميدان إلى شواغر دائمة وممولة، تُطرح بشكل تدريجي ومدروس، بما يضمن عدم حدوث نقص مفاجئ في الكوادر داخل المدارس، مشيرا إلى أن الإطار الزمني الممتد لـ 3 أو 4 سنوات يُعد منطقيا لإعادة ضبط الاحتياجات والتخصصات وتوجيه الموارد بكفاءة.
ولفت إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في طبيعة النقص المتغير في المدارس، سواء من حيث المناطق أو الكثافة الطلابية أو حركة التنقلات والإجازات، ما يتطلب وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، ونظاما فاعلا للتنبؤ بالاحتياجات، وآليات سريعة للاستجابة للحالات الطارئة، مؤكدا أن المطلوب ليس إلغاء أداة تشغيلية فحسب، بل بناء بديل مؤسسي أكثر مرونة وعدالة.
وقال إن هذا التوجه يحمل رسالة مهمة للمعلمين، مفادها أن المهنة يجب أن تقوم على الاستقرار لا على الانتظار في إطار العمل المؤقت، موضحا أن بقاء المعلم لسنوات دون أفق واضح للتثبيت يؤثر سلبا في دافعيته وثقته بالمستقبل المهني، في حين أن التوسع التدريجي في التعيينات يسهم في رفع الرضا الوظيفي وتقليل دوران الكفاءات وتعزيز جاذبية مهنة التعليم.
وأشار إلى أهمية دعم برامج إعداد المعلمين قبل الخدمة، وفي مقدمتها برنامج الدبلوم الذي يُنفذ في عدد من الجامعات الحكومية، إلى جانب التوسع في تخصصاته وتعزيز برامج التنمية المهنية المستمرة، سواء على المستوى المركزي أو المدرسي، لضمان أن تكون التعيينات قائمة على الجودة لا مجرد سد للشواغر.
وأكد أن تقليص التعليم الإضافي وصولا لإنهائه يمكن أن يشكّل إصلاحا حقيقيا إذا ما تم التعامل معه كمشروع وطني لإعادة تنظيم الموارد البشرية في التعليم، يوازن بين الانضباط في التوظيف والمرونة في تلبية الاحتياجات، بما يقود في النهاية إلى بيئة تعليمية أكثر استقرارا وكفاءة وجودة.
تعزيز استقرار العملية التعليمية
من جانبه، قال الخبير التربوي عايش النوايسة، إن التوجه نحو إنهاء العمل بنظام التعليم الإضافي في وزارة التربية والتعليم، واستبداله بالتعيين الدائم للمعلمين، يُعد خطوة محورية نحو تعزيز استقرار العملية التعليمية، لافتا إلى أن الاعتماد على هذا النمط خلال السنوات الماضية، والذي شمل أعدادا كبيرة من المعلمين وصلت في بعض الأحيان إلى ما بين 13 و14 ألف معلم سنويا، كان يتم غالبا عبر صيغ تعاقدية غير مستقرة، ما أثر على انتظام العملية التعليمية وجودتها.
وأوضح أن الانتقال إلى تعيين معلمين دائمين ومؤهلين تربويا يسهم في توفير كفاءات قادرة على تقديم تعليم نوعي، ويعزز استقرار المدرسة والصفوف والطلبة، مشيرا إلى أن وجود معلم ثابت منذ بداية العام الدراسي يحد من ظاهرة تبدّل المعلمين خلال العام، والتي أثبتت الدراسات أنها من أبرز أسباب تراجع جودة التعليم داخل الغرفة الصفية.
وبين أن التعليم الإضافي شكّل في كثير من الأحيان نقطة ضعف ببنية النظام التعليمي، نظرا لارتباطه بعدم الاستقرار المهني، في حين أن المعلم المستقر، الذي يتمتع بالأمان الوظيفي، يكون أكثر قدرة على التخطيط لعمليات التعلم والتعليم، ومتابعة تقدم الطلبة، والانخراط في البيئة المدرسية بشكل فاعل.
وقال إن هذا التوجه يمنح الوزارة فرصة أكبر لمتابعة أداء المعلمين وتقديم الدعم الفني والتدريب المستمر لهم، بدلا من الاستثمار في كوادر مؤقتة قد تغادر خلال فترات قصيرة، ما يعزز كفاءة الإنفاق على برامج التنمية المهنية ويرفع من جودة المخرجات التعليمية.
وأشار إلى أن استقرار الكادر التعليمي ينعكس إيجابا على الطلبة، عبر انتظام العملية التعليمية وعدم انقطاعها، وتوفير بيئة تعليمية مستقرة تسهم في تحسين التحصيل الدراسي وتعزيز جودة التعلم.
وشدد على أن تنفيذ هذا التوجه يمثل تحديا كبيرا؛ لارتباطه بتوفير مخصصات مالية كافية ضمن الموازنة العامة، بما يتيح زيادة الشواغر الوظيفية سنويا لتغطية الاحتياجات الفعلية في المدارس.
وأكد أن الاستثمار في المعلم يُعد استثمارا مباشرا في رأس المال البشري، مؤكدا أن دعم استقرار المعلمين وتوفير برامج التنمية المهنية لهم يشكلان أساسا لتحقيق تعليم نوعي يتواءم مع متطلبات سوق العمل، ويسهم في تطوير مخرجات التعليم على المستوى الوطني.
-الغد







