اراء ومقالات
أخر الأخبار

توزيع الدخل .. نحو تحقيق العدالة الاجتماعية

الدكتور محمد ابو حمور

تحدثنا في المقال السابق حول بعض مظاهر عدم المساواة في توزيع الدخل على المستوى العالمي والاقليمي والمحلي، وتناولنا ما قد يترتب على سوء التوزيع من مظاهر اقتصادية واجتماعية، كما تطرقنا ايضاً لبعض المؤشرات والاساليب المستخدمة لقياس توزيع الدخل والثروة والجهود التي تبذل لتحسين هذه المؤشرات، واستكمالا لهذا الموضوع لا بد من السير قدماً عبر النظر في السياسات والاجراءات التي يمكن ان تؤدي لتحقيق عدالة في التوزيع تمهد للتعامل مع المصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع وبما ينعكس ايجاباً على مختلف مكوناته وشرائحه.

بداية من المفيد ان نفرق بين الممكن وغير الممكن والمقبول وغير المقبول فيما يتعلق بعدالة التوزيع والمساواة، بمعنى ان نبتعد عن الطرح الحالم الذي يستحيل تحقيقه وان نركز على النتائج الاساسية التي نسعى الى تحقيقها، فمثلاً لا نستطيع ان نضع نصب اعيننا تحقيق المساواة المطلقة فهي غير ممكنة عملياً وغير عادلة منطقياً، فالناس بطبيعتهم البشرية والتكوينية يختلفون من حيث الامكانيات والقدرات الجسدية والعقلية وهذا شيء جيد لانه يؤدي الى تكامل القدرات والاعتماد المشترك وتبادل المنافع مما يخلق حركة انسانية تحفز الطاقات والمنافسة وبالنتيجة تقود الى التطور والرقي، الا انه وفي نفس الوقت فمن غير المقبول ان يستطيع شخص ما الدراسة في جامعة مرموقة مع تواضع قدراته الاكاديمية لان اسرته غنية مثلاً في حين لا يتاح ذلك لطالب قد تكون قدراته الاكاديمية افضل فقط لانه لا يمتلك المصادر المالية الكافية، لذلك لا بد ان نضع العدالة معياراً وبالاعتماد على مدى قيام الشخص بتادية واجبه والقيام بمسؤولياته وفق موقعه ومجاله، وتوفير هذا المعيار يعد شرطاً للتطور المستدام القائم على اسس ثابتة، وعند تناول موضوع توزيع الدخل والثروة فنحن لا نسعى الى تجريد اصحاب الثروات من ثرواتهم وانما الى تحديد حصتهم العادلة من المشاركة في مسؤوليتهم تجاه مجتمعهم، آخذين بعين الاعتبار ان النتيجة التي نسعى اليها هي توفير الظروف الملائمة لحياة كريمة لمختلف فئات المجتمع، وخاصة الفقراء، وكيفية تحقيق ذلك باقل كلفة مع ضمان أفضل النتائج، ولا شك بان تحقيق ذلك سيعود بالمنفعة على سائر مكونات المجتمع.

وقد حظي موضوع توزيع الدخل باهتمام كبير في الفكر الاقتصادي خلال الفترات التاريخية الماضية، الا ان هذا الاهتمام تراجع مع توسع انتشار النيوليبرالية الاقتصادية والتي تعتبر ان اعادة التوزيع هو أحد منتجات نظرية توازن المنتج، بحيث ان كل عنصر من عناصر الانتاج يتحدد بانتاجيته الحدية، وهذا الطرح يستبعد دور التوازنات المجتمعية واثرها على التوزيع، وهنا لا بد ان نشير ايضاً الى ان سوء التوزيع، وفق بعض الطروحات النظرية يشكل محفزاً للازمات الاقتصادية الدورية وعائقاً لاستدامة النموذج الاقتصادي، وقد تم تناول موضوع اسباب وملابسات سوء توزيع الدخل والثروة في العديد من الكتب والدراسات مثل “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” لتوماس بيكتي، و”اللامساواة: ما الذي يمكن عمله” لأنتوني أتكنسون وغيرها، ومع الادراك بانه لم يتحقق بعد التقدم الذي تطمح له المجتمعات في مجال اعادة توزيع الدخل والثروة الا انه ووفقاً لتقرير “الفقر والرخاء المشترك” الذي اصدره البنك الدولي عام 2018 فقد حققت بعض الدول انجازات لافتة في مكافحة الفقر، فقد أشار التقرير الى انه وفي عام 1990 كان 36% من سكان العالم يعيشون في فقر وفقاً لتعريف خط الفقر الدولي، وتراجعت هذه النسبة الى 10% عام 2015، ويفسر ذلك بشكل اساسي بالصعود الاقتصادي للصين، فمثلا في بلدان شرق اسيا والمحيط الهادي انخفض معدل متوسط الفقر من 62% الى أقل من 3% خلال هذه الفترة. وهذه النتائج تشير الى ان امكانية رفع مستوى معيشة المواطنين وتحسين ظروف حياتهم هدف قابل للتحقيق في حال تم انتهاج السياسات والاجراءات المناسبة، مع الادراك المسبق بان الفقر لا يتعلق بمستوى الدخل فقط وانما ايضاً بجوانب متعددة لها تأثير مباشر على مستوى حياة ورفاه المواطن بما في ذلك الخدمات الصحية والتعليمية وخدمات البنية التحتية والشعور بالامن وغيرها، ومع هذا الادراك والوعي بالجوانب المختلفة والرؤية متعددة الابعاد لموضوع الفقر واللامساواة نستطيع ان نبني البرامج الاجتماعية والتنموية الموجهة للتغلب على هذه المصاعب والتعامل معها بشل ملائم.

وقد نظم البنك الدولي حلقة نقاشية خلال اجتماعات الربيع حول “كيفية جعل النمو يصب في مصلحة الفقراء” وأخرى حول “مسائل التفاوت في الدخل: كيف يمكن ضمان أن تعم فائدة النمو الاقتصادي على الأكثرية وليس الأقلية” وتقول بينيلوب جولدبرج كبيرة الاقتصاديين في البنك الدولي: “ان مسألة التفاوت ظاهرة معقدة للغاية لا يمكن التعامل معها في جلسة قصيرة، لهذا السبب أنشأ معهد الدراسات المالية في لندن مشروعًا طموحًا متعدد التخصصات، برئاسة أنجوش ديتون، الحائز على جائزة نوبل، تحت اسم تقرير ديتون، لفهم الجوانب المتعددة لمسألة التفاوت واقتراح السياسات المناسبة. ويُشار إلى المشروع باسم “التفاوتات في القرن الحادي والعشرين”، يجمع هذا المشروع المتعدد التخصصات خبراء في الاقتصاد والعلوم السياسية وعلم الاجتماع والصحة العامة بهدف إجراء مناقشة شاملة لكنها دقيقة، بل والأهم أن تكون متوازنة حول التفاوت”، وتضيف بان النمو هو الاولوية الرئيسية للبلدان النامية ومن الناحيتين النظرية والتجريبية، نتوقع أن يسير النمو والتغيرات التي تطرأ على توزيع الدخل جنبًا إلى جنب، وتشير الى ان الاهتمام بكيفية توزيع الدخل يعود الى ان الناس يبدون اهتماماً بموضوع الانصاف وغالبًا ما يُنظر إلى التفاوتات الكبيرة في الدخل أو الثروة على أنها غير منصفة. ولكن لا يمكن المطالبة بالمساواة الكاملة بصرف النظر عن الكفاءة والجهد ومتطلبات السوق،كما ان التفاوتات الكبيرة في الواقع العملي تحدث اضطرابات اجتماعية ويمكن أن يعرقل رد الفعل هذا تحقيق المزيد من النمو،كما ان التفاوتات الكبيرة في الدخل والثروة تترجم إلى حالات عدم مساواة في الفرص.

ولكي نستطيع بناء السياسات الملائمة لحل اشكالات الفقر وعدم المساواة لا بد لنا من توفر البيانات التي من خلال دراستها وتمحيصها يمكن التوصل الى الاسباب المؤدية للتفاوت وعدم المساواة والفقر، وانطلاقاً من هذه الاسباب يتم بناء النماذج الملائمة للتعامل معها بشكل متكامل وعلى مختلف الاصعدة،مع منح اهتمام خاص بالمقدمات التي تؤدي الى اقصاء وتهميش فئات معينة من المواطنين او مناطق جغرافية بعينها.ولغايات ضمان فاعلية وكفاءة السياسات والاجراءات فنحن اولا بحاجة الى دراسة البيانات بمنهج علمي تمهيداً لفهم مصادر سوء التوزيع واللامساواة وطبيعتها،وكيف يمكن مواجهتها في المراحل الاولية والمتقدمة وما هي الادوات الانسب للتعامل معها،وبناء على ذلك يتم بناء برنامج متكامل للتغيير وبمشاركة مجتمعية واسعة، ومن المهم ان نفهم الاسباب المؤدية الى ظهور اللامساواة في الجوانب المتعلقة بالدخل والثروة والامكانات الاقتصادية عموما،وهل هذه الاسباب مشروعة أم لا مثلاً هل حصل تراكم للثروة نتيجة لعمليات احتكار او نتيجة لفساد مالي او اداري في مكان ما،ام انه حصل في ظل شروط تنافسية عادلة وشفافة،وهذه الاسباب قد تفسر ما نراه احيانا من انتقادات حادة لسوء التوزيع واللامساواة،خاصة اذا ارتبط ذلك باستخدام ما يتم الحصول عليه من ثروة او دخل بتحقيق مكاسب سياسية او التأثير على السياسات العامة. يقول رجل الاعمال نيك هانوير “إن أهم درس تعلمته من تجربتي خلال العقود التي أمضيتها في سوق الرأسمال هو أن الأخلاق والعدالة هما المطلبان الأساسيان لتحقيق الازدهار والنمو الاقتصادي. فالجشع صفة سيئة للغاية”.

وفقاً لتقرير التنمية البشرية الذي أصدره برنامج الامم المتحدة الانمائي الاسبوع الماضي احتلت المملكة المرتبة 102 من بين 189 دولة وكان تصنيفها ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة،وبلغت قيمة مؤشر التنمية البشرية في الاردن 0.723 وبالمقارنة مع دول المنطقة فهو أقل من دول الخليج ولبنان وتونس تركيا، وفي حال تم تعديل هذا المؤشر وفقاً لمؤشر سوء التوزيع او عدم المساواة،فسوف ينخفض الى 0.617 اي بخسارة 14.7 نقطة،مما يعني ان تحسين ظروف المملكة فيما يتعلق بسوء توزيع الدخل والثروة وعدم المساواة سوف ينعكس ايجاباً على معدل التنمية البشرية. وفي وقت سابق(2015) كان برنامج الامم المتحدة الانمائي ومنظمة اليونيسيف قد اصدرا تقرير “عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية في الاردن”، والذي اشار الى مجموعة من الحقائق المشجعة تتلخص في ان مستويات عدم المساواة في الأردن منخفضة بالمقارنة مع المعايير الدولية، حيث يكمل 99%من الاطفال التعليم الاساسي، كما ان التحويلات الاجتماعية تقلص عدم المساواة في الدخل بنسبة 4%،كما ان خدمات المياه شاملة تقريباً لمختلف انحاء المملكة، الا ان التقرير اشار ايضاً الى ان التفاوت في الدخل بين المحافظات اعلى منه فيما بين المناطق الحضرية والريفية، كما لفت ايضاً الى ان عدم المساواة في الفرص يفسر بشكل اساسي من خلال المستوى التعليمي لرب الاسرة، ونوه الى انه وبالرغم من ان الوضع الصحي والتعليمي للمرأة في الأردن يقارن إيجابيا مع وضع الرجل الأردني،الا ان معدل مشاركة النساء في القوى العاملة هو من ادنى النسب في العالم. ويُعد دعم تمكين المرأة اقتصاديًا أمرًا بالغ الأهمية، فوفقًا لدراسة أجراها صندوق النقد الدولي يمكن أن تصل مكاسب الدخل لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن طريق سد الفجوات بين الجنسين في التوظيف وريادة الأعمال إلى 38%.

ان فكرة التصدى لسوء التوزيع وتحقيق العدالة وتوفير الفرص للمواطنين في الاردن ليست فكرة غريبة، فأي منصف يستطيع ان يقرأ ملامحها الواضحة في كتاب التكليف السامي للحكومة الحالية والذي أكد ضرورة “تمكين الاردنيين من حفز طاقاتهم، ورسم أحلامهم والسعي لتحقيقها،وتلبية احتياجاتهم عبر خدمات نوعية……ومنظومة أمان اجتماعي تحمي الضعيف في ظل بيئة ضريبية عادلة…….على الحكومة أن تقوم بمراجعــة شــاملة للمنظومــة الضريبيــة والعــبء الضريبــي بشــكل متكامــل، ينــأى عــن الاســتمرار بفــرض ضرائــب اســتهلاكية غيــر مباشــرة وغيــر عادلــة لا تحقــق العدالــة والتــوازن بيــن دخــل الفقيــر والغنــي،…..،إن الحــوار والتواصــل وبنــاء التوافــق هــو مــن أهــم الأدوات التــي علــى الحكومــة أن ترتكــز إليهــا فــي انفتاحهــا وتواصلهــا مــع الســلطات الأخــرى ومــع المواطنيــن. فعلــى الحكومــة أن تســتمع للمواطنيــن وتشــرح، بــكل شــفافية وموضوعيــة، الآثــار العميقــة التــي خلفتهــا وتخلفهــا الظــروف الاقتصاديــة الصعبــة التــي مررنــا ونمــر بهــا، لأن فهــم الواقــع هــو المفتــاح لبلــورة أي إجــراءات أو تشــريعات ضروريــة لتجــاوز الظــرف الاقتصــادي الصعــب”. وفي حال تم وضع السياسات اللازمة لتحقيق التوجيهات الملكية سنكون قد قطعنا شوطاً طويلاً في تحقيق اعادة توزيع عادلة للدخل وساهمنا بشكل فعال في بناء منظومة متكاملة لتعزيز الفرص والقدرات والتصدي لمصاعب اللامساواة والتفاوت.

هناك العديد من المطالبات باعادة النظر في الانظمة الضريبة بشكل يضمن تصاعديتها وخاصة على ذوي الدخول والثروات المرتفعة، وبحيث تصبح ضريبة الدخل والضريبة على الثروة هي الاساس الذي يؤمن ايرادات تمكن الحكومات من توجيه مزيد من المصادر المالية لتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين بما فيها خدمات البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية باعتبار ذلك خطوة اساسية لاعادة توزيع الدخل بشكل عادل بين المواطنين ذوي الدخول المختلفة من جهة وبين المناطق الجغرافية من جهة اخرى،خاصة وان الربع الاخير من القرن الماضي شهد تراجعاً واضحاً في نسب ضريبة الدخل على الافراد والشركات اضافة الى غياب شبه كامل لضريبة الثروة او التركات.

ويعتقد الكثيرون ان هذا يعد سببا اساسياً لتفاقم تركيز الثروة وانتشار اللامساواة في مختلف المجتمعات وقد كتب الكثير من المقالات “جوزيف ستيغلتزوغيره” والكتب بهذا الخصوص من أبرزها كتاب إيمانويل سايز وغابرييل زوكمان، “انتصار الظلم: كيف يراوغ الاغنياء الضرائب وكيف نجعلهم يدفعون” وكتاب كينيث شيف وديفيد ستاسافاج “فرض الضرائب على الأغنياء: تاريخ الإنصاف المالي في الولايات المتحدة وأوروبا “وكتاب توماس بيكيتي” “رأس المال والايديولوجيا”، ولم يقتصر الامر على ذلك فقد امتدت هذه المطالبات ضمن برامج الساسيين،فبعض القادة في الحزب الديمقراطي الاميركي “اليزابيث وارين و بيني ساندز” رفعوا مطالبات بفرض ضريبة على الثروة والتركات، وخاصة اصحاب الملايين. ولا شك بان هناك اساساً معقولاً لهذه المطالبات،الا ان ما قد يترتب عليها من اثار يتطلب النظر لها بحذر شديد،ففي عالم اليوم يمكن ان تنتقل الثروات بين منطقة واخرى خلال دقائق،كما ان الدول المختلفة تتنافس فيما بينها لجذب الاستثمارات وهي في سبيل ذلك تلجأ لتخفيض نسب الضريبة،ناهيك عن توفر ملاذات ضريبة في مناطق مختلفة من العالم، وهذا يعيدنا الى مربع تحديد الاولويات على المدى المتوسط والطويل وموضوع استدامة النمو،ويبرز تساؤل منطقي للمفاضلة بين جني ايرادات بنسبة أكبر أم العمل في سبيل تحقيق نسب أعلى من النمو، وبالتالي تكبير الكعكة ليصبح بالامكان المشاركة فيها وزيادة حصيلة الايرادات عبر ذلك، ومن المؤكد ان فكرة زيادة النسب الضريبية او فرض ضريبة على الثروات لا يمكن ان تنجح في حال تم تطبيقها في دولة بعينها،بل قد تكون نتائجها عكسية، ولكن هذا لا ينفي ضرورة السعي الى تكوين مزيج ضريبي ملائم يخفف العبء عن الفئات الفقيرة ونحن هنا نعني ضريبة المبيعات او ضريبة القيمة المضافة والتي تتصف بعدم العدالة لانها تطبق بنفس النسبة على مختلف المستهلكين بغض النظر عن مستوى دخلهم، أما ضريبة الدخل فمن المعلوم انها ترتبط بمستوى الدخل الذي يحققه الافراد او الربح الذي تجنيه الشركات، ولكن ما يجب ان لا يغيب عن بالنا هو ان المصادر الرئيسية لعدم العدالة وسوء التوزيع مثل البيئة الاجتماعية بما فيها الجنس والعمر والعرق ومستوى تعليم رب الاسرة وثروة الاسرة واماكن الاقامة، فهذه العوامل اضافة الى عدم تكافؤ الفرص تحدد بشكل او باخر الملامح المستقبلية للمجتمع بشكل عام.

ترى منظمة أوكسفام انه يمكن تقليص اللامساواة ومحاربة الفقر والفوارق الاجتماعية من خلال خطوات محددة تتلخص في بلورة وتطوير برنامج عمل وطني لمواجهة الفوارق الاجتماعية يتم من خلاله تبني هدف طموح يسهم في تقليص الفوارق الإجتماعية في إطار أهداف التنمية المستدامة،اضافة الى توفيربيانات إحصائية متاحة للعموم حول تفاوت الدخل وتركيز الثروة مع اتخاذ إجراءات ملموسة لتصحيح الفوارق وعدم المساواة بين الجنسين وتحسين الحوكمة اضافة الى إطلاق خطة لتنظيم النشاطات الاقتصادية، كما تؤكد ضرورة تبني نظام ضريبي يساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية،وذلك من خلال تحسين تصاعدية النظام الضريبي في مجمله وإدخال ضرائب تصاعدية على الأملاك ومكافحة التهرب الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي لجعل مساهمة مجموع الفاعلين الاقتصاديين داخل البلد أكثر عدلا،واضافة شرائح جديدة لضريبة الدخل على الاجور الاكثر ارتفاعاً.

وفي ذات الاطار عقد معهد بترسون للاقتصاد الدولي مؤتمراً في شهر تشرين أول الماضي تحت عنوان “مكافحة اللامساواة: نحو سياسات تقلص اللامساواة في الاقتصادات المتقدمة” وطرح خلال المؤتمر مصفوفة سياسات تستهدف ثلاث مستويات من اللامساواة خلال ثلاث مراحل: ماقبل الانتاج ومرحلة الانتاج ومرحلة ما بعد الانتاج وتتلخص الحزمة الاولى من السياسات في االخدمات الصحية والتعليمية،والانفاق على التعليم العالي، أما الثانية فتتلخص في تأمين الوظائف والحد الادنى للأجور،وتحسين جودة ظروف العمل عبر قوانين العمل والعلاقة بين النقابات واصحاب العمل..،ومكافحة الاحتكار والتنظيم،أما الثالثة فتتعلق بالتحويلات وسياسات التوظيف الكلي،شبكة الامان الاجتماعي،سياسات الضمان الاجتماعي،وضريبة الثروة.

بالرغم من كل التعقيدات والتداخلات التي يحويها موضوع توزيع الدخل والثروة وما يرتبط به من مفاهيم التفاوت واللامساواة، الا اننا في النهاية سنعود للاساسيات واعني بذلك موضوع النمو الاقتصادي،صحيح ان النمو وحده لا يقلص التفاوتات ولا يقضي على الفقر بشكل اُلي ولا يؤدي بالضرورة لتوزيع عادل للدخل والثروة، الا انه بدون النمو لا يمكن ان نوفر فرص عمل للفقراء والعاطلين عن العمل لنحسن ظروفهم المعيشية، كما انه، أي النمو، يساهم في زيادة الايرادات وتحسينها مما يتيح المجال للحكومة لتخصيص مصادر اضافية لتوفير الخدمات للمواطنين وتقليص الفوارق بينهم، ولكن الى جانب النمو لا بد من العمل على تنفيذ تدابير واجراءات تضمن شمولية النمو لمختلف فئات المجتمع،فهذه ضمانة اساسية للنمو المستدام، بما في ذلك تحسين الحوكمة والشفافية وسيادة القانون وتعزيز حقوق الانسان، مع التأكيد على اتباع سياسات ضريبية اكثر عدالة ومحاربة التهرب الضريبي، وفيما يتعلق بالسياسات الضريبية من المفيد التذكير بان الزكاة في الشرع الاسلامي تتشابهه مع فكرة ضريبة الثروة ومن المهم التفكير بايجاد التناغم اللازم بين الضريبة والزكاة خدمة لاهداف المجتمع.

ولا بد ايضاً من ضمان تنافسية الاسواق ومحاربة الاحتكار وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والخدمات العامة الاخرى لمختلف فئات المجتمع وفي مختلف المناطق الجغرافية،وتحسين سياسات سوق العمل وتنظيمه بما يكفل حقوق مختلف الجهات ذات العلاقة، ومن الضروري ايضاً الاهتمام بموضوع سياسات الحماية الاجتماعية بما فيها شبكة الامان الاجتماعي التي تضمن مواجهة التهميش والاقصاء ومنح الفرص للفئات الاقل حظاً كل ذلك يمثل حفظاً لكرامة الانسان وانسانيته بغض النظر عن مركزه الاجتماعي او ما يمتلكه من ثروه، وهو في نفس الوقت يشكل حافزاً اضافياً للنمو المستدام وداعماً للاستقرار الاجتماعي والسياسي والأمني.

ومن المفيد التأكيد على حقيقة اساسية وهي ان المشاركة المجتمعية تضمن تنفيذاً اكفأ ونتائج أفضل وفهماً أعمق للسياسات التي تنوي السلطات تنفيذها،لذلك فمشاركة الفئات الاجتماعية المختلفة في صياغة هذه السياسات يوفر لها حاضنة اجتماعية يضمن استدامتها وتحقيق اهدافها،كما ان المشاركة هي الخطوة الاولى،وقد تكون الاهم، لمواجهة الاقصاء والتهميش الذي تعانيه فئات اجتماعية هي في اشد الحاجة لاجراءات وسياسات تجذبها للمشاركة في النهضة الاقتصادية والاستفادة من ثمارها.

(الرأي)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى