
عمّان التي ارتبط اسمها لعقود بالنظافة والترتيب وهيبة العاصمة، أصبحت اليوم أمام مشهد لا يشبه صورتها التي عرفها الأردنيون، مع تزايد الملاحظات على مستوى النظافة وتكرار الشكاوى من امتلاء الحاويات وتأخر جمع النفايات في عدد من المناطق، في وقت تتسع فيه دائرة التبريرات أكثر مما تتسع دائرة الحلول.
منذ تغيير منظومة العمل والتعاقد مع جهات جديدة لتنفيذ جزء من خدمات النظافة، كان يفترض أن ينعكس ذلك على كفاءة أعلى وخدمة أسرع ومستوى أفضل، لا أن يدخل المواطن في مرحلة انتظار مفتوحة تحت عنوان المرحلة الانتقالية أو التحديات التشغيلية. فالمواطن لا تعنيه تفاصيل العقود ولا آليات الإدارة ولا الاجتماعات التي تعقد خلف الأبواب، ما يعنيه ببساطة هو أن يرى شارعاً نظيفاً وحاوية تُفرغ في وقتها وخدمة تليق بما يدفعه من رسوم وضرائب.
المفارقة أن مستوى الدقة والصرامة يبدو واضحاً عندما يتعلق الأمر بتحصيل الرسوم والمخالفات، بينما تصبح اللغة أكثر مرونة عندما يتعلق الأمر بمستوى الخدمة. وهنا تكمن المشكلة، لأن المؤسسة الخدمية لا تقاس بقدرتها على الجباية، بل بقدرتها على إعادة ما تجبيه إلى الناس على شكل خدمة ملموسة في الشارع.
النظافة ليست حملة إعلامية ولا صورة تنشر على منصات التواصل ولا تقريراً يتحدث عن مؤشرات الأداء. النظافة ممارسة يومية، تبدأ من الحاوية والرصيف والشارع وتنتهي بصورة العاصمة أمام أهلها وزوارها. وإذا كانت التجربة الجديدة ناجحة، فيجب أن يظهر نجاحها على الأرض، وإذا كانت متعثرة، فيجب أن تُراجع بشجاعة، وإذا كان هناك تقصير، فيجب أن تكون هناك مساءلة واضحة لا مزيد من الأعذار.
والمشهد لا يقتصر على عمّان وحدها، فعدداً من البلديات يشهد تراجعاً ملموساً في مستوى النظافة وصيانة الطرق والأرصفة والإنارة والحدائق والمرافق العامة، في مقابل رسوم لا تتراجع والتزامات مالية تطبق بمنتهى الصرامة. وهذا يخلق فجوة حقيقية بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه من خدمة.
تحميل المواطن مسؤولية النظافة بشكل كامل أيضاً لا يمكن أن يكون مخرجاً دائماً. من يخالف القانون يجب أن يُحاسب، ومن يلقي النفايات عشوائياً يجب أن يُعاقب، لكن في المقابل من يقصر في تقديم الخدمة يجب أن يخضع للمساءلة ذاتها، لأن المسؤولية لا يمكن أن تكون باتجاه واحد.
عمّان ليست مدينة عادية، وهي ليست مساحة مفتوحة للتجارب الإدارية. هي عاصمة المملكة وواجهتها، وأي تراجع في مستوى نظافتها ينعكس مباشرة على صورتها وهيبتها وجودة الحياة فيها.
المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات ولا المزيد من التبريرات، بل مراجعة حقيقية للمنظومة، وقياس واضح للأداء، ومحاسبة أي جهة لا تحقق المستوى المطلوب.
عمّان لا تحتاج إلى تفسير لماذا تراجعت النظافة، بل تحتاج إلى قرار يعيدها إلى المستوى الذي تستحقه.
نريد عمّان التي عُرفت بنظافتها، لا عمّان التي أصبحت تتفوق في أعذار النظافة.
Sedq Al Roya - Roya News via royanews.com
اشترك في قناة رؤيا نيوز على يوتيوب