اراء ومقالات

المسؤول بين الامس واليوم

د. هايل ودعان الدعجة

في فترة زمنية اردنية سابقة كان هناك العديد من المحطات والمناسبات التي كانت تختزل المشهد الوطني باحداثه وشخوصه بعبارة رجالات دولة، التي تشير الى شخصيات وقامات وطنية رسمية ومجتمعية معروفة (معبية مكانها وكراسيها) للدلالة على تميزها وقوة شخصيتها وحضورها وتأثيرها، ومدى تحليها بالصفات الشخصية القيادية والاجتماعية وقدرتها على التعامل مع التحديات والاحداث والمواقف الصعبة بكل جرأة وشجاعة ومسؤولية، ديدنها المبادرة والمبادأة والقدرة على اتخاذ القرار في الظروف الحرجة والاستثنائية وتحمل المسؤولية واستعدادها للمواجهة والدفاع عن قراراتها، وقد فرضت نفسها على كامل مساحة الجغرافية الاردنية، وباتت جزءا من الذاكرة الوطنية بمواقفها القيادية (الرجولية) المشهودة التي هي اشبه ما تكون بالمرجعية الادارية والسياسية والمجتمعية المطلوب استحضارها للتعامل مع حالات شبيهة في ايامنا هذه، التي نفتقد فيها لمثل هذه النوعية من الرجال والقامات وما سطرته من مواقف قوية ملفتة ومشرفة، وبدا انها هي من صاغ مفهوم رجل دولة وادارة اردنية ومنحهما الخصوصية التي امكن معها تطويع الصعوبات والتحديات لتجعل من الاردن قصة نجاح، بإدارتها وقيادتها لمؤسسات الدولة على اسس وطنية خالصة اساسها الولاء والانتماء، وقد اتخذت من تحقيق الصالح العام بوصلة لها، في الوقت الذي ادركت فيه معنى (القسم) للاخلاص للوطن وقيادته، واستحضاره في اعمالها وتصرفاتها، ليكون الشاهد والرقيب على ادائها، شعورا منها بعظم الامانة وثقل المسؤولية، حتى وهي تمارس ادوارها المجتمعية، فقد اثبتت حضورها كرموز وطنية اجتماعية فرضت احترامها وكلمتها وهيبتها كزعامات محلية وعشائرية لها حضورها وتأثيرها في المجتمع ومكوناته بما يخدم السلم المجتمعي ويعزز الروابط والاواصر والعلاقات الاجتماعية، ويساهم في تكوين الهوية والشخصية والخصوصية الاردنية، المستمدة من موروث اخلاقي وقيمي وديني وعادات وتقاليد.

فمن رحم هذه الاجواء والضوابط والمعايير الاخلاقية والقيمية، خرجت القيادات الاردنية التي شكلت نماذجا سياسية وادارية واجتماعية ناجحة شملت كافة المجالات والقطاعات، وبدا ان المسؤول الاردني في تلك الفترة قد جسد حالة قيادية خاصة، هي حصيلة عوامل بيئية محلية عكست ثقافة المجتمع الاردني وخصوصيته، بصورة انعكست على ادائه، الذي جاء منسجما مع صفاته الشخصية المستمدة من هذه البيئة الثقافية الاردنية، بطريقة جعلته يراعي في هذا الاداء المصلحة الوطنية والتعاطي معها كاولوية، بعيدا عن الشخصنة واستغلال المنصب او الوظيفة لتحقيق منافع ومكاسب خاصة على حساب مصالح الوطن. وهذا ما يفسر انتشار مثل هذه النماذج القيادية الاردنية التي غطت كافة مفاصل الدولة ومؤسساتها في تلك الفترة، خاصة المواقع الوظيفية المتقدمة والهامة التي كانت تتطلب شخصيات قيادية بهذه المؤهلات والصفات والقدرات النوعية، التي بتنا نفتقر لمثلها في هذه الايام، عندما اخذ القطاع العام تحديدا يشهد تراجعا وجنوحا خطيرا عن المسار الصحيح في ظل حالة الضعف والارباك التي باتت تغلف شخصية المسؤول الاردني، الذي افتقد الى الجرأة والشجاعة والثقة بالنفس، وبات لا يقوى على اتخاذ القرار، الذي يخشى ان يكلفه كثيرا، طالما يتعارض مع حساباته الخاصة من وجوده بالمنصب الذي يتعاطى معه بعض المسؤولين وينظر له كفرصة يجب استثمارها واستغلالها في كسب الامتيازات والمنافع الخاصة، بعد ان تحولت المناصب الهامة في الدولة الاردنية الى ساحة مستباحة للواسطة والمحسوبية والشللية، وعلى حساب الكفاءات واصحاب المؤهلات والاختصاصات المختلفة، وبما يشبه الاصرار على البقاء في هذه الدائرة الضيقة في التعيينات، وهي الدائرة المسؤولة عن تراجع الاداء العام، بوصفها احدى اهم الثغرات التي ينفذ منها الفساد ليضرب في شتى مفاصل الدولة.

فلنقارن بين رجالات وقيادات الوطن بالامس، ممن حظوا بشرف تحمل امانة المسؤولية في ادارة شؤون الدولة عبر المناصب التي تقلدوها، مستندين في ذلك الى مرجعية قيمية واخلاقية وتربوية وسلوكية وطنية، وبين بعض القيادات والمسؤولين اليوم، الذين قادتهم الصدف والواسطة والمحسوبية الى مواقع المسؤولية، لتعيث بالمنصب العام فسادا، وتزيد من ازمات الوطن واوجاعه ومشاكله.

 

تابعوا رؤيا نيوز على

زر الذهاب إلى الأعلى