اراء ومقالات

التطبيع هو الأخطر في “صفقة القرن”

ماجد توبة

ليس الأسوأ أن تخسر المعركة مع عدوك، بل الأخطر والكارثي أن تستسلم له وتقر بهزيمتك وتتشربها كقدر محتوم لا فكاك منه. ينطبق هذا الحال على «صفقة القرن» الأميركية الصهيونية، التي لا يسعى عرابوها فقط لترسيخ الاحتلال ومصادرة الحقوق الوطنية العربية والفلسطينية بل وإلى أن يتم بموازاة ذلك فتح باب التطبيع العربي مع كيان الاحتلال على مصراعيه ودمجه بالكتلة العربية والإقليمية المحيطة رغم كل ما ترتكبه يداه من جرائم وسطو على حقوق الأمة في قضيتها المركزية.
على هذا الصعيد، يحقق الإرهابي المتحجر نتنياهو وكيانه السرطاني وبدعم أميركي مطلق، الاختراقات تلو الاختراقات في ملف التطبيع ونسج اللقاءات والعلاقات مع مسؤولين وحكومات عربية؛ الكثير منها يجري تحت الطاولة وبعضها تفوح رائحته ويظهر على السطح متحديا مشاعر ومبادئ ومصالح هذه الأمة المكلومة بحكوماتها، كما جرى في لقاء نتنياهو مع رئيس المجلس الانتقالي السوداني وغيرها من شواهد فاقعة وسوداء.
يستطيع كيان الاحتلال الاسرائيلي وبالدعم المطلق من إدارة ترامب المتصهينة وفي ظل حالة الهوان والضعف العربي فرض شروط «صفقة القرن» التصفوية على الأرض من ضم للأراضي المحتلة والمستوطنات والتهرب من استحقاق إقامة الدولة الفلسطينية، لكن من غير المقبول ولا المعقول أن يجد هذا الاحتلال من يوقع له على مثل هذا الاستسلام والتصفية للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ناهيك عن أن يجد من الفلسطينيين والعرب من يكافئه ويخدم مصالحه عبر التطبيع معه وإقامة العلاقات والصفقات وكسر الحواجز والسماح له بالتسلل لمسامات هذه الأمة!
الخطير في قضية التطبيع مع كيان الاحتلال اليوم هو في تجنيد قوة وإمكانات الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب المتصهينة لخدمة الهدف الإسرائيلي باختراق المنظومة العربية الرسمية على أوسع نطاق، وهو ما بدا واضحا في الاختراق الذي مثله اللقاء بالمسؤول السوداني الأول أخيرا، والوعد الإسرائيلي له بالدفع لدى الإدارة الأميركية لرفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب. كذلك بدا واضحا فيما تسرب من أنباء من وعود إسرائيلية للمغرب بدعم أميركي لموقف المغرب من قضية الصحراء والبوليساريو.
التجنيد الصهيوني للإدارة الأميركية لتحقيق الاختراقات الواسعة في ملف التطبيع مع العرب بدا واضحا وفاقعا أكثر وبصورة مبكرة في الضغوط الأميركية على بعض دول الخليج لكسر الحواجز مع إسرائيل وفتح خطوط الاتصال والتفاهمات معها، وكل ذلك عبر ابتزاز أميركي للعرب مقابل التلويح بالمس باستقرارها وشرعيتها إن رفضت التطبيع مع كيان الاحتلال!
مثل هذا الابتزاز الإسرائيلي ليس جديدا فلطالما لجأ كيان الاحتلال عبر العقود الماضية إلى إشاعة مثل هذه الأوهام والوعود السرابية بتأمين الدعم الأميركي مقابل التطبيع وعقد الصفقات مع إسرائيل، لكنها كانت كلها سرابا وأوهاما لم ترتد على من صدقها إلا وبالا وخسرانا. حدث ذلك مع الرئيس المصري السادات الذي لم تجن بلاده من كامب ديفيد إلا المزيد من الفقر والعجز والضعف، وكذلك الأمر مع الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري الذي عقد صفقة تسهيل ترحيل يهود الفلاشا لإسرائيل قبل أن يطيح به انقلاب عسكري لم تحمه منه لا إسرائيل ولا أميركا.
نثق بأن الشعوب العربية لا يمكن اختراقها بالتطبيع، فسيبقى هذا الفعل مرفوضا ومدانا شعبيا وقوميا ودينيا وإنسانيا طال الزمن أو قصر. الدول العربية التي ستتورط بالتطبيع مع هذا العدو ستخسر نفسها أمام شعوبها فيما لن تنفعها علاقة مع عدو لا يؤمن إلا بحقه بتعظيم قوته ونفوذه وأطماعه حتى لو على حساب أقرب المقربين إليه!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق