
يفتح التوجيه الملكي للحكومة بوضع إستراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي الباب أمام إعادة صياغة تعامل الأردن مع التمويل الأخضر، من مبادرات ومشاريع متفرقة إلى إطار وطني يربط الأولويات المناخية بالسياسات الاقتصادية والاستثمارية، في وقت تتزايد فيه حاجة المملكة إلى حشد مصادر تمويل جديدة لمواجهة تحديات المياه والطاقة والتغير المناخي.
واعتبر خبراء اقتصاديون، هذا التوجيه يكتسب أهمية بالغة لكونه شدد على ضرورة التعاون والتنسيق مع القطاع الخاص في إعداد هذه الإستراتيجية، لا سيما أن تحقيق الأهداف المناخية والتنموية يحتاج إلى موارد تتجاوز قدرة الموازنة العامة والتمويل التقليدي، وبالتالي فإن المطلوب هو نموذج يقوم على الشراكة بين الحكومة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص والمؤسسات والصناديق الدولية.
ولفت هؤلاء إلى أن توسيع التمويل الأخضر من شأنه أن يحفز استثمارات جديدة في الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والنقل المستدام، وإدارة النفايات، وإعادة التدوير، والمياه، والزراعة الذكية مناخياً.
وهذه قطاعات قادرة على خلق فرص عمل جديدة وتحريك سلاسل توريد محلية.
إضافة إلى تحفيز قدرة الاقتصاد الأردني على استقطاب استثمارات وشركات دولية تبحث عن بيئات استثمارية ملتزمة بالمعايير البيئية والاستدامة.
وبين هؤلاء أن فرص التمويل المناخي أمام الاقتصاد الوطني “واعدة جدا” في مختلف القطاعات، وأنها تتماشى مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، ولا سيما محركات النمو المرتبطة بالبيئة المستدامة والموارد المستدامة، التي تركز بصورة خاصة على قطاعي الطاقة والمياه.
ويرى الخبراء أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على الربط بين الجانب الفني والجانب المالي لضمان خروج المشاريع الإستراتيجية إلى حيز التنفيذ، إضافة إلى توسيع التطبيق.
أي الانتقال من بناء الوعي والأطر والسياسات إلى زيادة حجم ونطاق التمويل الفعلي من قبل النظام المصرفي، وتطوير منتجات تمويلية أكثر تنوعاً، وتعزيز البيانات والقياس، ورفع قدرة البنوك والعملاء على تقييم وهيكلة المشاريع الخضراء.
توجيه ملكي لوضع إستراتيجية وطنية للتمويل المناخي
وكان جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين قد وجّه مؤخرا، الحكومة لوضع إستراتيجية وطنية متكاملة وموحدة في مجال التمويل المناخي، بالتعاون والتنسيق مع القطاع الخاص.
وجاء ذلك خلال اجتماع ترأسه جلالة الملك للاطلاع على جهود الحكومة وخططها في مجال التمويل الأخضر والتمويل المناخي.
وأكد جلالته خلال اجتماع للاطلاع على جهود الحكومة وخططها في مجال التمويل الأخضر والتمويل المناخي، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، أهمية توفير برامج للدعم الفني، لتمكين القطاعين العام والخاص من الاستفادة من مصادر التمويل المناخي المتوفرة وأدوات الحد من انبعاثات الكربون لتحقيق أفضل الممارسات البيئية انسجاما مع المستهدفات المحلية والعالمية للبيئة والمناخ.
وأشار جلالة الملك، إلى أهمية التمويل المناخي في تعزيز الجهود الرامية لتحقيق الأهداف البيئية والتنمية المستدامة.
إستراتيجية القطاع المصرفي والأدوات التي يمكن استخدامها
وقال مدير عام جمعية البنوك الأردنية ماهر المحروق إن التوجيه الملكي يحمل دلالات إستراتيجية مهمة، في مقدمتها الانتقال بملف التمويل المناخي من مستوى المبادرات والمشاريع المتفرقة إلى إطار وطني متكامل وموحد يربط بين السياسات المناخية والأولويات الاقتصادية والتنموية، ويحدد بصورة أوضح احتياجات المملكة التمويلية، والقطاعات ذات الأولوية، والأدوار المؤسسية، وآليات استقطاب وتوجيه التمويل.
وأضاف من المهم جد أن جلالة الملك أكد أن إعداد هذه الإستراتيجية يتم بالتعاون والتنسيق مع القطاع الخاص، لأن تحقيق الأهداف المناخية والتنموية يحتاج إلى موارد تتجاوز قدرة الموازنة العامة والتمويل التقليدي، وبالتالي فإن المطلوب هو نموذج يقوم على الشراكة بين الحكومة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص والمؤسسات والصناديق الدولية.
وأوضح المحروق أن هذا التوجه ينسجم بدرجة كبيرة مع ما نعمل عليه في جمعية البنوك في الأردن خلال السنوات الأخيرة. فقد تعاملنا مع التمويل الأخضر باعتباره مساراً إستراتيجياً للقطاع المصرفي، وليس مجرد منتج تمويلي جديد.
وعملنا على تعزيز الحوار بين البنوك والجهات الحكومية والرقابية والدولية، وأسست الجمعية لجنة متخصصة للتمويل الأخضر، إلى جانب برامج بناء القدرات والتوعية والتدريب، كما أصبح منتدى التمويل الأخضر GREEFIN منصة دورية للحوار بين القطاعين العام والخاص حول الانتقال من السياسات والأطر إلى التطبيق والتمويل الفعلي.
وأكد المحروق أن الأردن يمتلك فرصاً كبيرة لأن العديد من التحديات التي يواجهها الاقتصاد هي في الوقت ذاته مجالات رئيسة للاستثمار الأخضر والمناخي. لدينا فرص واضحة في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، وإدارة المياه، والنقل المستدام، والمباني الخضراء، وإدارة النفايات والاقتصاد الدائري، والزراعة المستدامة، وكفاءة استخدام الموارد في القطاع الصناعي.
كما توجد فرصة مهمة في المنشآت الصغيرة والمتوسطة. فالتحول الأخضر لا ينبغي أن يقتصر على المشاريع الكبرى؛ إذ يمكن للبنوك تطوير حلول تساعد المنشآت على تحديث خطوط الإنتاج، وخفض استهلاك الطاقة والمياه، واستخدام التكنولوجيا النظيفة، وبالتالي تخفيض تكاليفها وتحسين إنتاجيتها.
كذلك يمكن توسيع استخدام أدوات مثل السندات والصكوك الخضراء والتمويل المرتبط بالاستدامة والتمويل المدمج والضمانات وأدوات تقاسم المخاطر بما يساعد على جذب رؤوس أموال جديدة وتمويل مشاريع ربما يصعب تمويلها بالأدوات التقليدية وحدها.
ولفت أن القطاع المصرفي الأردني يمتلك قاعدة قوية وجاهزية متقدمة يمكن البناء عليها. فالبنوك الأردنية لديها خبرة تمويلية واسعة وقدرات جيدة في إدارة المخاطر، وشهدت السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بالاستدامة والتمويل الأخضر والمخاطر البيئية والمناخية.
ومن التطورات المهمة أيضاً إصدار التصنيف الأخضر الوطني الأردني، الذي يوفر مرجعية ولغة مشتركة تساعد البنوك والمستثمرين والجهات المختلفة على تحديد الأنشطة الاقتصادية التي يمكن اعتبارها خضراء، وهو عنصر أساسي لتعزيز المصداقية وتوجيه التمويل وقياسه.
وأشار المحروق إلى أن جمعية البنوك عملت بالتوازي على أكثر من مسار، لتعزيز قدرات البنوك، وتبادل المعرفة والخبرات، وفتح الحوار مع الجهات الحكومية والرقابية والمؤسسات الدولية، وتطوير النقاش حول إدارة المخاطر البيئية والاجتماعية ومخاطر المناخ، إلى جانب منتدى GREEFIN الذي أصبح منصة تجمع الأطراف المعنية بالتمويل الأخضر. فضلا عن العمل على أدوات ومنهجيات تساعد القطاع على التعامل بصورة أكثر منهجية مع مخاطر الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية.
وشدد المحروق على أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة توسيع التطبيق. أي الانتقال من بناء الوعي والأطر والسياسات إلى زيادة حجم ونطاق التمويل الفعلي، وتطوير منتجات أكثر تنوعاً، وتعزيز البيانات والقياس، ورفع قدرة البنوك والعملاء على تقييم وهيكلة المشاريع الخضراء.
بدورها قالت خبيرة الاقتصاد الأخضر والتغير المناخي، والمدير التنفيذي لمؤسسة “سستاين مينا”، شدى الشريف، إن التوجيه الملكي بتعزيز الجهود الوطنية في مجال التمويل المناخي يأتي في توقيت “إستراتيجي”، قبيل انعقاد مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP31) المقرر عقده في تركيا خلال شهرين، مؤكدة أن التمويل المناخي يمثل فرصة مهمة للأردن في ظل ما حققه من نجاحات في هذا المجال.
وأضافت الشريف أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف العمل والتنسيق بين المؤسسات للاستفادة من الصناديق المناخية، وتعزيز الجهود الوطنية في إعداد مقترحات مشاريع ملائمة ومستجيبة للتغير المناخي، سواء في مجال التخفيف أو التكيف، مشيرة إلى أن مشاريع التكيف تحظى بأولوية خاصة بالنسبة للأردن.
وأوضحت أن التوجيه الملكي يتزامن كذلك مع قرب إصدار المساهمات المحددة وطنياً (NDCs) بنسختها الثالثة، والتي تعمل وزارة البيئة على استكمالها بالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية، معتبرة أن هذه الخطط ينبغي أن تترافق مع ترجمة الأولويات القطاعية إلى مشاريع قابلة للتمويل، ووضع إستراتيجية متكاملة لحشد التمويل المناخي من المصادر الوطنية والدولية، وبالشراكة مع القطاع الخاص والصناديق المناخية.
وأكدت الشريف أن المطلوب هو الربط بين الجانب الفني والجانب المالي لضمان خروج المشاريع الإستراتيجية إلى حيز التنفيذ، مبينة أن فرص التمويل يمكن أن تشمل مختلف القطاعات التنموية، وفي مقدمتها الطاقة والمياه والزراعة والنقل وغيرها.
وبينت أن هناك علاقة وثيقة بين التمويل الأخضر والتمويل المناخي، لافتة إلى أن التمويل الأخضر يستند إلى إطار واضح ضمن التصنيف الأردني الوطني الأخضر الصادر عن البنك المركزي، والذي يتضمن أهدافاً مرتبطة بالتغير المناخي، سواء في مجال التكيف أو التخفيف.
ورأت الشريف أن فرص التمويل المناخي أمام الاقتصاد الوطني “واعدة جدا” في مختلف القطاعات، وأنها تتماشى مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، ولا سيما محركات النمو المرتبطة بالبيئة المستدامة والموارد المستدامة، التي تركز بصورة خاصة على قطاعي الطاقة والمياه.
وأشارت إلى نجاح الأردن في جذب تمويل من صندوق المناخ الأخضر لمشروع الناقل الوطني للمياه بقيمة تقارب 295 مليون دولار، معتبرة أن هذه التجربة يمكن تكرارها في عدد من المشاريع المحورية في القطاعات المختلفة.
وقالت إن ذلك يتطلب صياغة مقترحات المشاريع بطريقة تتواءم مع أهداف العمل المناخي العالمية، وفي الوقت ذاته تستجيب للأولويات الوطنية، الأمر الذي يمكن الأردن من الوصول إلى مصادر تمويل لم تكن متاحة سابقا.
دعوة للبلديات لاستثمار التمويل المناخي
وخصّت الشريف بنك تنمية المدن والقرى بالإشارة، باعتباره حاصلاً على اعتماد من صندوق المناخ الأخضر، بما يتيح له الوصول المباشر إلى الصندوق والمساعدة في تمويل مشاريع البلديات وأولوياتها التنموية.
وأوضحت أن مجالات التمويل المتاحة للبلديات تشمل قطاعات متعددة، من بينها النقل وإدارة النفايات والزراعة والمياه، داعية البلديات إلى تكثيف العمل على تطوير مقترحات مشاريعها بالتعاون مع القطاع الخاص، بهدف استقطاب التمويل المناخي المتاح، والذي يمكن أن يصل إلى “ملايين ومئات الملايين من الدولارات”.
بدوره اعتبر الخبير الاقتصادي طارق حجازي أن توجيه جلالة الملك الحكومة لوضع إستراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي يمثل انتقال الأردن من التعامل مع التمويل المناخي كمشاريع متفرقة إلى اعتباره جزءاً من السياسة الاقتصادية والاستثمارية الوطنية، لما يواجهه الأردن من تحديات مرتبطة بالمياه والطاقة والتغير المناخي، وبالتالي فإن حشد التمويل الدولي والمحلي لهذه القطاعات أصبح ضرورة اقتصادية وليس خياراً بيئياً فقط.
وبين حجازي أن العوائد الاقتصادية يمكن أن تكون كبيرة ومتعددة الأبعاد. فالتمويل الأخضر يساعد على خفض كلفة الطاقة، وزيادة كفاءة استخدام المياه، وتحسين الإنتاجية، وتقليل كلفة التلوث والانبعاثات، وبالتالي يرفع تنافسية الاقتصاد الأردني على المديين المتوسط والطويل.
وأشار إلى أن التوسع في التمويل الأخضر يمكن أن يحفّز استثمارات جديدة في الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والنقل المستدام، وإدارة النفايات، وإعادة التدوير، والمياه، والزراعة الذكية مناخياً. وهذه قطاعات قادرة على خلق فرص عمل جديدة وتحريك سلاسل توريد محلية.
إضافة إلى تحفيز قدرة الاقتصاد الأردني على استقطاب استثمارات وشركات دولية تبحث عن بيئات استثمارية ملتزمة بالمعايير البيئية والاستدامة. وبالتالي فإن التمويل الأخضر يمكن أن يتحول من أداة لمعالجة التغير المناخي إلى أداة لتحسين القدرة التنافسية وجذب الاستثمار.
كما وأكد حجازي أن الفرص أمام القطاع الخاص واسعة، خصوصا إذا انتقل الأردن من تمويل المشاريع الخضراء التقليدي إلى تطوير سوق متكامل للتمويل الأخضر.
ويمكن للبنوك وشركات التأمين وشركات التمويل والمؤسسات الاستثمارية تطوير منتجات مثل القروض الخضراء، والسندات الخضراء، والتمويل المرتبط بالاستدامة، وتأمين المخاطر المناخية، مطالبا في هذا الصدد بضرورة إشراك القطاع الخاص منذ مرحلة إعداد الإستراتيجية يعني أن تكون المشاريع والخطط قابلة للتطبيق والتمويل والاستثمار، وليس فقط أهدافاً بيئية. – الغد
Sedq Al Roya - Roya News via royanews.com
اشترك في قناة رؤيا نيوز على يوتيوب