
لم تعد زيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية هدفًا يرتبط بحجم التدفقات المالية وحده، بقدر ما أصبحت القيمة التي يضيفها كل استثمار إلى الاقتصاد الوطني معيارًا أكثر أهمية في تقييم أثره، من خلال قدرته على خلق فرص العمل، وزيادة الصادرات، ونقل التكنولوجيا، وتوسيع سلاسل التوريد المحلية.
وهندسة الاستثمار: “هي استخدام أساليب التحليل المالي والرياضي والاقتصادي لتصميم الاستثمارات وإدارتها بطريقة تهدف إلى تحقيق عائد مناسب، والتركيز على المشاريع التي يحتاجها الاقتصاد الكلي.
ومع تأكيد الحكومة وجود أهداف واضحة لتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، عبر تبسيط الإجراءات، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ودعم المستثمرين، تبرز الحاجة إلى مواصلة الإصلاحات التي تجعل المملكة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات النوعية، والاحتفاظ بها، وتوسيع الاستثمارات القائمة.
وفي وقت أظهرت فيه بيانات ميزان المدفوعات ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة بنسبة 25.1 % خلال العام الماضي، يرى خبراء اقتصاديون أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم “الترويج للاستثمار” إلى “هندسة الاستثمار”، أي استهداف نوعية محددة من الاستثمارات، وربطها بالقطاعات التصديرية، وسلاسل التوريد، والمهارات المحلية، والمشاريع القائمة، بما يعظم أثرها في الاقتصاد الوطني.
وأكد الخبراء، أن زيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية تتطلب استهداف استثمارات نوعية في القطاعات ذات القيمة المضافة، خصوصًا التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، والصناعات الدوائية والغذائية، والطاقة المتجددة، إلى جانب القطاعات القادرة على تعزيز الصادرات وخلق وظائف ذات قيمة أعلى.
وأشاروا إلى ضرورة تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المجال الاستثماري، ليس فقط في تنفيذ المشاريع، وإنما أيضًا في صياغة السياسات الاقتصادية والتشريعات ذات الصلة بالقطاع الخاص، بما يضمن أن تعكس القرارات الحكومية احتياجات المستثمرين والتحديات الفعلية التي تواجههم، الأمر الذي من شأنه تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين بالسوق الأردنية، وجذب استثمارات طويلة الأجل.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية توجيه السياسة الاستثمارية نحو القطاعات التي يمتلك الأردن فيها فرصًا حقيقية للنمو والتوسع، بدل الاكتفاء بقياس النجاح بحجم التدفقات الداخلة.
ويشمل ذلك التركيز على الاستثمارات التي ترتبط بالاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا، والصناعات الدوائية والغذائية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية والسياحة، وغيرها من القطاعات القادرة على توليد فرص عمل وزيادة الصادرات وتعميق القيمة المضافة محليًا.
ويرى الخبراء، أن جذب المستثمر الأجنبي لا ينفصل عن قوة المستثمر المحلي، إذ إن توسع الشركات الأردنية ونجاحها يمثلان عاملين مهمين في بناء الثقة بالسوق المحلية، ويشكلان قاعدة يمكن أن ينطلق منها الاستثمار الأجنبي، بدلا من أن يعمل بمعزل عن الاقتصاد الوطني.
الزيارات الملكية.. بوابة لفرص استثمارية جديدة
ومن جانب آخر، اعتبر الخبراء أن الزيارات الملكية الخارجية تمثل أهمية سياسية واقتصادية للأردن، ويمكن أن تشكل مدخلًا لاستقطاب استثمارات كبيرة، خصوصًا عندما تتحول نتائج هذه الزيارات إلى شراكات ومشاريع إنتاجية طويلة الأجل.
وفي هذا الإطار، يمكن البناء على الفرص التي تفتحها العلاقات الاقتصادية مع الأسواق العالمية، وتوظيفها ضمن إستراتيجية استثمارية تستهدف شركات ومشاريع محددة، وليس مجرد الترويج العام للفرص الاستثمارية في المملكة.
خفض كلفة الاستثمار
يبدأ من البيروقراطية
وبغية تحسين بيئة الأعمال والاستثمار المحلية، دعا الخبراء إلى خفض كلفة ومدة تأسيس وتشغيل المشاريع، من خلال تقليل عدد التراخيص والموافقات المطلوبة، ورقمنة الإجراءات بشكل كامل، بما يحد من البيروقراطية ويمنح المستثمر سرعة أكبر في الانتقال من مرحلة اتخاذ القرار إلى بدء الإنتاج.
كما أكدوا أهمية توفير استقرار تشريعي وضريبي، يمنح المستثمر قدرة أكبر على التنبؤ بتكاليفه واتخاذ قراراته الاستثمارية على أساس واضح ومستقر.
ويضاف إلى ذلك، تسهيل الوصول إلى التمويل، خصوصًا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز دور سوق رأس المال في تمويل الشركات، إلى جانب توفير آليات سريعة وفعالة لحل النزاعات.
ويرى الخبراء، أنه من الضروري ربط الحوافز الاستثمارية بنتائج اقتصادية واضحة، مثل خلق فرص العمل، وزيادة الصادرات، ونقل التكنولوجيا، ورفع القيمة المضافة المحلية، إلى جانب إعداد “خريطة للاستثمارات الثانوية” حول كل مشروع استثماري كبير، حيث لا ينتهي الأثر الاقتصادي عند المشروع نفسه، بل يمتد إلى الشركات والموردين والخدمات والصناعات المرتبطة به.
توجه حكومي لتحسين بيئة الأعمال والاستثمار
وكان رئيس الوزراء جعفر حسان، أكد أن الأردن لديه أهداف واضحة لتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، من خلال إجراء إصلاحات تنظيمية، وتبسيط الإجراءات، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ودعم المستثمرين، بهدف زيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية وتوسيعها.
وشدد حسان، خلال زيارته مؤخرًا وزارة الاستثمار وترؤسه جلسة مجلس الاستثمار، على أن جهود تحسين البيئة الاستثمارية مسؤولية تقع على عاتق الوزارات والمؤسسات كافة، وليس وزارة الاستثمار وحدها.
ولفت إلى أن الحكومة ستبني في هذا المجال على الفرص والآفاق التي رسختها الزيارات الملكية الخارجية، ومنها زيارة جلالة الملك الأخيرة إلى جمهورية الصين، لتشجيع الشراكة والاستثمار الخارجي.
2025.. الاستثمار الأجنبي عند أعلى مستوى منذ 2017
وكشفت بيانات ميزان المدفوعات، أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى المملكة خلال العام الماضي، بلغت نحو 2.0248 مليار دولار، مقارنة مع 1.6188 مليار دولار خلال العام 2024، محققة نموًا بنسبة 25.1 %.
ويمثل هذا المستوى أعلى قيمة تسجلها تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة منذ العام 2017، في مؤشر يعكس تحسن تدفقات الاستثمار إلى الاقتصاد الأردني، ويمنح صانع القرار قاعدة يمكن البناء عليها للانتقال من التركيز على حجم التدفقات إلى تعظيم أثرها الاقتصادي.
وقال عضو مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال الأردنيين بشار الزعبي: “إن إعلان الحكومة أهدافا واضحة لتحسين بيئة الأعمال والاستثمار يعكس إدراكًا لأهمية توفير بيئة اقتصادية أكثر مرونة وكفاءة”، مشيرًا إلى أن جذب الاستثمارات لا يرتبط بالحوافز المالية فقط، وإنما بمنظومة متكاملة تشمل سهولة ممارسة الأعمال، ووضوح التشريعات واستقرارها، وسرعة إنجاز المعاملات، وكفاءة الخدمات الحكومية.
وأضاف أن تبسيط الإجراءات والحد من البيروقراطية وتوسيع التحول الرقمي في الخدمات الحكومية، من شأنه خفض كلف ووقت تأسيس وتشغيل المشاريع وتعزيز ثقة المستثمرين، داعيًا إلى مواصلة تطوير الخدمات الرقمية وربط الجهات الحكومية ذات العلاقة بالاستثمار ضمن منظومة إلكترونية متكاملة.
وأشار الزعبي، إلى أن زيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية تتطلب الانتقال من مرحلة الترويج العام إلى استهداف استثمارات نوعية في القطاعات ذات القيمة المضافة، خصوصًا التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، والصناعات الدوائية والغذائية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والسياحة، وغيرها من القطاعات القادرة على توليد فرص العمل وزيادة الصادرات.
وشدد على أهمية دعم المستثمر المحلي باعتباره شريكًا أساسيًا في جذب الاستثمار الأجنبي، مبينًا أن توسع الشركات الأردنية ونجاحها يمثلان عاملين مهمًين في تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين بالسوق الأردنية.
ودعا الزعبي، إلى ضرورة تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ليس فقط في تنفيذ المشاريع، وإنما أيضًا في صياغة السياسات الاقتصادية والتشريعات ذات الصلة بالقطاع الخاص، بما يضمن أن تعكس القرارات الحكومية احتياجات المستثمرين والتحديات الفعلية التي تواجههم.
ولفت إلى أن المرحلة المقبلة، تتطلب مراجعة مستمرة للتشريعات الاقتصادية والاستثمارية، وضمان استقرارها ووضوحها، إلى جانب تسريع إجراءات الترخيص والموافقات، وتطوير آليات حل النزاعات التجارية، وتعزيز المنافسة، وتحسين الوصول إلى التمويل، بما يوفر بيئة أكثر قدرة على جذب المشاريع الجديدة والتوسع في المشاريع القائمة.
من الترويج إلى صناعة الفرصة
من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد محمد حدب السرحان أن المرحلة المقبلة، تتطلب محليًا الانتقال من مفهوم الترويج للاستثمار إلى مفهوم أوسع يمكن تسميته “هندسة الاستثمار”.
وأوضح أن هذا المفهوم يعني ألا يقتصر دور السياسة الاستثمارية على عرض الفرص وانتظار المستثمر، وإنما تحديد نوع الاستثمار الذي يحتاجه الاقتصاد، والشركة المستهدفة، والسوق التي سيصدر إليها، والمهارات المطلوبة، والموردين المحليين الممكن ربطهم به، والمشاريع التي يمكن أن تنشأ حوله، ثم متابعة المشروع حتى يصل إلى الإنتاج والتوسع.
وأشار السرحان، إلى أن ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام الماضي بنسبة 25.1 %، يوفر قاعدة جيدة للانتقال إلى هذه المرحلة، موضحًا أن التحدي لم يعد فقط زيادة حجم التدفقات، وإنما رفع أثر كل دينار أو دولار استثماري داخل الاقتصاد الأردني من خلال الوظائف، والصادرات، والتكنولوجيا، والمشتريات المحلية، وسلاسل التوريد.
وبين السرحان أن من أهم تطبيقات “هندسة الاستثمار” مفهوم “الاستثمار حول الاستثمار”، أي استخدام الشركات والمصانع القائمة لخلق استثمارات جديدة.
وأوضح أنه بدل النظر إلى المستثمر الكبير باعتباره مشروعًا مستقلًا، يجب تحليل ما يستورده ومن هم موردوه العالميون، ثم تحديد أي من هذه المدخلات يمكن إنتاجه في الأردن، سواء من خلال تأهيل شركات محلية أو استقطاب المورد العالمي نفسه، للتصنيع في المملكة بالشراكة مع رأسمال أردني.
وأضاف أن المطلوب ليس تصنيع كل مدخل محليًا مهما كانت كلفته، وإنما إعداد خريطة لفجوات سلاسل التوريد تبدأ من أكبر القطاعات التصديرية، حيث تحدد ما يمكن إنتاجه في الأردن بكفاءة، وما يحتاج إلى استقطاب مستثمر متخصص، وما يبقى أكثر جدوى استيراده.
وضرب مثالًا على ذلك صناعة النسيج، موضحًا أنه إذا كان إنتاج القطن الخام غير ملائم لظروف الأردن، فيمكن دراسة مراحل أعلى قيمة، مثل الغزل أو النسيج أو التجهيز أو تصنيع الأقمشة، متى كانت الكلفة والطلب يسمحان بالمنافسة.
المشاريع الكبرى
وأكد السرحان أن “هندسة الاستثمار”، يجب أن تشمل كذلك المشاريع الإستراتيجية الكبرى التي تنفذها المملكة، من خلال إعداد “خريطة للاستثمارات الثانوية” حول كل مشروع.
وأوضح أن الناقل الوطني لا يمثل مشروع مياه فقط، بل يمكن أن يرفع قدرة مناطق صناعية وسياحية وعمرانية على التوسع. كما أن سكة الحديد لا تمثل مشروع نقل فقط، وإنما يمكن أن تولد استثمارات في اللوجستيات، والتخزين، والصيانة، والهندسة، والصناعات التعدينية التحويلية.
وبالمثل، يمكن للميناء البري وغاز الريشة، أن يخلقا فرصًا صناعية وخدمية جديدة حولهما، إذا ما جرى التخطيط للاستثمارات المرتبطة بهما بالتوازي مع تنفيذ المشاريع الأساسية.
سرعة الوصول إلى الإنتاج.. الحافز الذي لا يكلف الخزينة
وأكد السرحان أن تحسين بيئة الأعمال، يجب أن يركز أيضًا على الزمن من قرار الاستثمار إلى بدء الإنتاج؛ لأن المستثمر يقارن بين الدول على أساس سرعة البدء في النشاط، وليس على أساس الحوافز فقط.
واقترح اعتماد مؤشر وطني يقيس المدة التي يحتاجها المستثمر للانتقال من اتخاذ قرار الاستثمار إلى بدء الإنتاج، مع تحديد نقاط التعطل في هذه الرحلة ومعالجتها.
وقال: “إن كل شهر يتم اختصاره في رحلة المستثمر يمثل عمليًا حافزًا استثماريًا لا يكلف الخزينة إعفاءً جديدًا، وهو ما يجعل سرعة الإجراءات وكفاءة المؤسسات، جزءًا أساسيًا من القدرة التنافسية للأردن في جذب الاستثمار.
من جذب الاستثمار إلى تعظيم أثره
وتشير المعطيات، إلى أن الأردن يقف أمام فرصة للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا في سياسته الاستثمارية؛ فارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر يوفر قاعدة إيجابية، فيما يبقى التحدي الأكبر في توجيه هذه التدفقات نحو استثمارات ذات أثر أعمق وأكثر استدامة.
وبالتالي، فإن نجاح السياسة الاستثمارية في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد المشاريع أو حجم الأموال الداخلة إلى المملكة، وإنما بقدرتها على خلق وظائف نوعية، وزيادة الصادرات، وتعميق سلاسل التوريد المحلية، ونقل التكنولوجيا، وتحفيز استثمارات جديدة حول المشاريع القائمة والإستراتيجية.
وهنا تحديدًا، تبرز “هندسة الاستثمار” منهجا يمكن أن ينقل الأردن من مجرد استقبال الاستثمار، إلى تصميم أثره الاقتصادي. – الغد
Sedq Al Roya - Roya News via royanews.com
اشترك في قناة رؤيا نيوز على يوتيوب